جوزيف منتويل: إختيار لم يصادف أهله و رهانٍ على خسارة شعب ..

كتب: إستيفن وليم

والي ولاية الوحدة د. جوزيف منتويل ويجانق (صورة أرشيفية)

والي ولاية الوحدة د. جوزيف منتويل ويجانق (صورة أرشيفية)

راي (سودانس بوست) – توطئة : يقول أرسطو : ” الراحة هي غاية العمل ” فكذلك يكون ” السلام هو الغاية من الحرب”.

لقد شهدت البلاد منذ الخامس عشر من ديسمبر ٢٠١٣ م حروباً طاحنة،  أكلت الأخضر واليابس ، راحت ضحيتها ألالاف من الضحايا ، من أبناء الوطن الواحد،  بسبب الحرب السلطوي الذي لا ناقة للشعب فيها ولا جمل ، بل بسبب التنافس والصراع على السلطة بين قيادات الحزب الحاكم (الحركة الشعبية لتحرير السودان ) ، الذين حصلوا على دولة بطبق من ذهب دون أن ينافسهم  فيها أحد ، بل اصبحوا الآمر والناهي في كل الأمور .

وكما يقال أن النار تأكل بعضها بعضاً عندما لا تجد ما تأكله؛ فكذلك الحركة الشعبية أكلت بعضها بعضاً ، عندما فقدت عدوها الوحيد وهو نظام الخرطوم . فيقول ألكسندر أرباتوف المستشار الدبلوماسي لميخائيل غورباتشوف ، للغرب ( الأمريكان و الأوربيين ) : ” سنقدم لكم أسوأ خدمة ، سنحرمكم من العدو ! ” ، هذه المقولة العميقة التي يجب الوقوف عندها لكل من يريد العيش في سلام دائم ، متمعناً ومتسائلاً في كيف يكون الحرمان من العدو خدمة سيئة ؟

من المعروف أن الإنسان له غرائز تنافسية تجعله في صراع دائم مع الأخرين بغية نيل الأفضلية في كل شيء ، سواء كان هذا الصراع على هيئة الفرد ضد الأفراد أو جماعة ضد الجماعات ، ففي السياسة الدولية جرى العُرف لدى الدول الكبرى على صناعة وإختلاق عدو لها خارجياً.

ذلك للحفاظ على وحدة شعوبها الداخلية خلف نظامهم السياسي ، فيمكن لهذا العدو أن يكون واقعياً أو وهمياً ، فإنعدامه يجعل الشعب أمام خيارين ، أما الصراع ضد بعضها كسيناريو محتمل الإخراج من النظام السياسي القائم وذلك للحيلولة دون الالتفات إلى مكامن التقصير من النظام السياسي الحاكم ، أو المواجهة المباشرة مع النظام في حال إحساس الشعب بتقصير ذلك النظام وعدم قيامها بالدور المنوط بها في تقديم ما يوجب تقديمه لخدمة الشعب والبلاد .

وكما قال أرسطو : أن السلام هو الغاية من الحرب ” ، فإننا يجب أن نفهم من هذا القول أن لا سلام بلا حرب ، كما لا يمكن تخيل وجود الخير دون الشر ، فالإنسان بطبيعته له جانب شرير وجانب خيري ، والحرب يقوم بتنمية الجانب الشرير في الإنسان ، بينما تقوم السلام ببناء جانب الخير فيه .

والحاكم الرشيد يملك إستراتيجية جيدة في حالتي الحرب والسلم ، فعندما ينهك الحرب كاهل الأطراف المتحاربة ، يكون الجميع في حالة البحث عن السلام ، السلام الذي يضمن البقاء . وإسترتيجية البقاء أصعب بكثير من الحروب كما أن بناء السلام والإستقرار الدائم أصعب وأكثر تعقيدًا من خوض الحروب من أجل البقاء.

المرحلة القادمة هي مرحلة الحروب السياسية أو ما يمكن أن نطلق عليه (الحرب على كسب المواطنين ) وهي تلك التي لا يستخدم فيها البنادق في خوض الحروب،  بل الحنكة السياسية، والمنتصر فيها من يستحوذ على تأييد الأغلبية الشعبية له . وهذه أصعب مراحل التنافس ، لأنه يقوم على الدور السياسي لكل مجموعة او شخصية سياسية ، وليس على تحريض المواطنين ضد بعضهم البعض .

وتستصحبنا هذه النقطة إلى موضوع مقالنا اليوم وهو تعيين الدكتور جوزيف منتويل حاكماً لولاية الوحدة،  وهو ما أراه أنا غير صادف ، وذلك للأسباب التالية  :

أولاً : إذا كان الرئيس سلفا كير يريد الفوز في الصراع السياسي القادم عليه ، يجب أن يحاول قدر المستطاع إصلاح ما دمره أعوانه أثناء النزاع على السلطة بين أعضاء الحزب الحاكم،  وذلك بإبعاد من هم غير جديرين بتوحيد الشعب خلف الحكومة.

ثانياً : الدكتور جوزيف منتويل عمل بكل ما لديه من قوة لتفريق شعب ولاية الوحدة أثناء فترة حرب ديسمبر المشؤوم،  بدلاً من العمل على كسبهم وإستقطابهم لدعم الشرعية ، بل فضل تحريض المجموعات ضد بعضها البعض لكي يبقى هو في السلطة .  ولكن لهذا البقاء ثمن على الحكومة المركزية التي فقدت الأغلبية الساحقة من شعب الولاية بسبب تصرفات الحاكم منتويل .

ثالثاً : الدكتور منتويل و أعوانه ، متهمون من قبل الكثيرين من ابناء الولاية بتحريض شعب الولاية لنهب ممتلكات الأخرين من (الماشية والأبقار) من أبناء الولاية وانتهاك حرماتهم، وحرق منازلهم ، بحجة أن هؤلاء يرفضون سلطته عليهم. وهذا ما دفع الكثيرين للثبات في مواقفهم المعادية للنظام ، كما أنه اشعل حرباً عشائرياً بين أبناء الولاية . وهذا من شأنه أن يكتب نهاية الوجود للنظام في هذه الولاية .

رابعاً : في كل الحكومات أثناء الحروبات الأهلية ، تكون لها دور حماية المواطنين وممتلكاتهم،  ولكن في عهد منتويل نشرت منظمات دولية معنية بقضايا حقوق الإنسان،  تقارير بحدوث جرائم اغتصاب  ونهب ممتلكات المواطنين بأمر من السلطات .

خامساً : حالة الفوضى التي خلفتها حكومة منتويل في الولاية لم تقف فقط على أبناء الولاية ضد بعضهم البعض ، بل وصل الحال إلى شن غارات على الولايات المجاورة بهدف نهب الممتلكات ، مما أسفر عن خلق عدم الإستقرار بين شعب الولاية والولايات الأخرى .

سادساً : المجتمع الرعوي ، معروف بطبيعته إنه يقدس ممتلكاته من الماشية والأبقار ، كما إنه يأبى ما يعرض بيته وحرمته للخطر ، فمن يريد القتال في مجتمعنا الرعوي يقاتل الرجال ولا يقتل الأطفال والعجزة ، كما لا يغتصب النساء . ومن فعل المحرمات تلك يصعب التصالح معه مدى الحياة ، ومنتويل واعوانه فعلوا ذلك وقتلوا الأطفال وحرقوا البيوت ونهبوا الممتلكات.

ولدى مجتمعنا قاعدة عُرفية سائدة أن من احتمى بالنساء أثناء القتال لا يُقتل ولا يأسر كأسير حرب،  بل يترك سالماً دون أن يتعرض له أحد بعد انتهاء القتال . تلك هي عادتنا.  حكومة منتويل كسرت تلك القاعدة ، فانتشرت على نطاق واسع تقارير عن  إغتصاب النساء و إختطاف الفتيات وتزويجهم قسرًا ، لمن لا يعرفون ، بدلاً من إبقاء النساء رمزًا للسلام كما هو الحال في عاداتنا، هذه التقارير دفعت الحكومة في جوبا الى تكوين لجنة للتحقيق في الامر ، ولكن أين وصل هذه اللجنة ؟

سابعاً: ينصح الفيلسوف ميكافيللي في (كتابه الأمير ) الأمير  بأن : ” لا يخشى عار المعايب التي يصعب عليه بدونها الإحتفاظ بالملك” ، ولكننا نقول يجب التخلص من العيوب التي يصعب الوصول من خلالها على رضى المحكومين، لأن ذلك أسمى غايات اللعبة السياسية، ومن ضمن تلك العيوب وجود منتويل الذي دمر علاقة الشعب بالحكومة في سدة حكم الولاية .

أخيرًا وليس أخرًا ، لإعادة المياه إلى مجاريها على الحكومة إعادة النظر في أمر تعيين جوزيف منتويل حاكماً للولاية،  كخطوة من اجل كسب النقاط في المرحلة القادمة،  فإذا كان جوزيف منتويل نافعاً وقت الخراب ، فهو لن ينفع وقت الإصلاح ، والمراهنة على بقاء منتويل مقابل خسارة تأييد الأغلبية الشعبية في الولاية إنتحار سياسي لن يغفره تاريخ التجربة السياسية للحزب الحاكم .

أللهم بلغت أللهم فأشهد.