
تقرير ــ لم تعد الحرب السودانية محصورة داخل حدود البلاد. فالغارة الجوية التي اتهمت تشاد الجيش السوداني بتنفيذها داخل أراضيها، في 20 أغسطس الجاري، فتحت الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع، لا بسبب انتقال العمليات إلى دولة مجاورة فحسب، وإنما لأنها جاءت في وقت تتسارع فيه وتيرة الاعتماد على المسيّرات والأسلحة المتطورة، وتتزايد فيه الأسئلة حول مصادر القدرات الجوية التي باتت تستخدمها أطراف الحرب.
وأعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التشادية أن ضربة جوية وقعت نحو الساعة الثامنة مساء الخميس 20 أغسطس، في مقاطعة موردي بإقليم إنيدي الشرقي، قرب الحدود مع السودان، مستهدفة رتلاً عسكرياً داخل الأراضي التشادية.
واتهمت نجامينا القوات المسلحة السودانية بتنفيذ الضربة، بينما أفادت تقارير إعلامية بأن الرتل المستهدف كان يحمل تعزيزات لقوات الدعم السريع.
ولم تقف تداعيات الحادثة عند حدود الخرطوم ونجامينا. فقد أدانت الولايات المتحدة الضربات الجوية التي قالت إنها نفذت داخل الأراضي التشادية، وقال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، إن توسيع نطاق العنف إلى خارج السودان أمر غير مبرر، مؤكداً أن الصراع لا يملك حلاً عسكرياً.
وجاء الموقف الأميركي في وقت كانت فيه واشنطن تدفع داخل مجلس الأمن باتجاه توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور منذ عام 2005 ليشمل كامل الأراضي السودانية، مع إدراج المسيّرات والتقنيات والمكونات المرتبطة بها ضمن القيود.
ويرتبط التحرك الأميركي بمخاوف أوسع من استمرار تدفق السلاح إلى السودان. فقد قال بولس خلال جلسة لمجلس الأمن في 24 أغسطس إن أكثر من 12 دولة تقدم شكلاً من أشكال الدعم العسكري لأطراف الحرب، محذراً من أن تدفق الأسلحة والمسيّرات والمركبات والتمويل الخارجي يطيل أمد الصراع ويزيد كلفة الحرب على المدنيين.
ومنذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، تحول السلاح القادم من الخارج إلى أحد العوامل الرئيسية في استمرار الحرب، في وقت باتت فيه المسيّرات إحدى أبرز أدوات القتال لدى الطرفين.
لكن حادثة تشاد أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكثر تحديداً: إلى أي مدى تطورت القدرات الجوية للجيش السوداني، ومن يقف وراء هذا التطور؟
تركيا في واجهة المشهد
في السنوات الأخيرة، برز اسم تركيا بصورة متزايدة في النقاش حول التسليح الذي حصل عليه الجيش السوداني، ولا سيما في مجال المسيّرات.
وفي تقرير حديث، قالت صحيفة «لوموند» الفرنسية إن تركيا أصبحت الداعم العسكري الرئيسي للجيش السوداني منذ بداية الحرب، مشيرة إلى تزويده بمسيّرات من طرازي «Bayraktar TB2» و«Akıncı»، إلى جانب وجود مدربين، فيما قالت إن السعودية تمول شراء المسيّرات التركية والأسلحة الباكستانية لمصلحة القوات المسلحة السودانية.
ويأتي ذلك في سياق تقارب تركي–سعودي–باكستاني تعزز في أغسطس الجاري بتوقيع الدول الثلاث اتفاق دفاع مشترك في مكة.
وترى «لوموند» أن التعاون العسكري بين الدول الثلاث في الملف السوداني سبق توقيع الاتفاق، وأن الرياض تلعب دوراً في تمويل شراء أسلحة تركية وباكستانية للجيش السوداني، مشيرة إلى عقد باكستاني تقدر قيمته بنحو 1.5 مليار دولار ويشمل مقاتلات ومدرعات ومسيّرات.
ولا يمثل الحديث عن المسيّرات التركية في السودان تطوراً جديداً تماماً. فمنذ أواخر 2024، ظهرت مؤشرات على دخول «Bayraktar TB2» و«Bayraktar Akıncı» ضمن القدرات الجوية للقوات المسلحة السودانية، وفق تقارير ومصادر متخصصة.
وذكر «Africa Defense Forum» أن تركيا واصلت دعم قيادة الجيش من خلال بيع الطرازين، بينما تحدثت «Fair Observer» عن استخدام ذخائر التحليق الانتحاري التركية «Eren»، التي يمكن إطلاقها من منصات «Akıncı»، وربطت استخدامها بالعمليات العسكرية في جنوب كردفان.
وفي الوقت ذاته، تحدثت دوريات دفاعية إسبانية عن مواجهات بين مسيّرات ثقيلة في الأجواء السودانية، بينها منظومات تركية وصينية، في وقت تشير تقارير أخرى إلى استخدام الجيش السوداني تقنيات إيرانية أيضاً.
وهكذا لم تعد سماء السودان مسرحاً للمقاتلات التقليدية وحدها، بل تحولت إلى مساحة لتداخل منظومات مسيّرات متعددة المصادر، الأمر الذي يعكس بصورة واضحة حجم التدخل الخارجي في مسار الحرب.
أرقام وعقود
وتعززت الشكوك حول حجم التعاون التركي مع الجيش السوداني بعد تحقيق نشرته «Washington Post» في مارس 2025، استند إلى عقود ومراسلات وسجلات ومواد مرئية، وقال إن قيمة التعاملات بين شركة «Baykar» والجانب السوداني لا تقل عن 120 مليون دولار.
وبحسب التحقيق، شملت التعاملات مسيّرات ومعدات مرتبطة بها، إلى جانب وجود موظفين للشركة لتقديم الدعم الفني.
وفي مايو 2026، تحدث مركز «Chatham House» عن تقارير تفيد بتزويد تركيا الجيش السوداني بمنظومات مسيّرة، مع الإشارة إلى نفي أنقرة تقديمها بصورة مباشرة إلى القوات المسلحة السودانية.
غير أن العلاقة بين أنقرة والخرطوم أخذت بعداً سياسياً أكثر وضوحاً خلال العام الجاري، خصوصاً بعد لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في يونيو، وإعلان الرئاسة التركية أن التعاون الدفاعي أصبح أحد مجالات التعاون بين البلدين.
ولا تقتصر المصالح التركية المحتملة في السودان على المجال العسكري. فأنقرة تنظر إلى موقع السودان على البحر الأحمر باعتباره ذا أهمية استراتيجية، إلى جانب فرص محتملة في التعدين والزراعة والبنية التحتية وإعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، ظلت مدينة سواكن حاضرة في الحسابات التركية، رغم عدم وجود دليل حتى الآن على إحياء مشروع إقامة قاعدة عسكرية تركية فيها.
هل كانت المسيّرات التركية وراء غارة تشاد؟
رغم تعدد التقارير التي توثق وجود المسيّرات التركية ضمن ترسانة الجيش السوداني، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن المنظومات التركية هي التي نفذت الغارة داخل الأراضي التشادية.
فلا توجد، حتى الآن، أدلة مستقلة وحاسمة تحدد نوع الطائرة أو المسيّرة التي نفذت الضربة، كما أن تحميل المسيّرات التركية مسؤولية الغارة يحتاج إلى معلومات فنية أو أدلة ميدانية مستقلة.
لكن أهمية الحادثة تكمن في أنها أظهرت قدرة القوات المسلحة السودانية على تنفيذ عمليات جوية بعيدة نسبياً عن خطوط القتال التقليدية، وهو ما يعيد طرح مسألة مصادر هذه القدرة وتطورها خلال أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.
وبمعنى آخر، فإن غارة تشاد لا تثبت وحدها الدور التركي في العملية، لكنها تعيد فتح ملف التسليح الجوي للجيش السوداني، في ظل وجود تقارير متزايدة عن حصوله على منظومات تركية وصينية وإيرانية.
من المسيّرات إلى الذكاء الاصطناعي
لا يتوقف تطور الحرب عند زيادة عدد المسيّرات أو قدرتها على الوصول إلى مسافات أبعد. فالمخاوف الدولية باتت تتجه إلى مرحلة أخرى، تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستطلاع والتعرف على الأهداف واختيارها وتوجيه الأسلحة إليها.
وفي هذا السياق، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش، إلى بدء مفاوضات دولية بصورة عاجلة لإقرار صك قانوني ملزم يفرض قيوداً واضحة على أنظمة الأسلحة الذاتية التشغيل.
وحذرا من اقتراب العالم بصورة خطرة من تجاوز «خط أخلاقي أحمر»، مؤكدين ضرورة أن تظل القرارات المتعلقة بإزهاق أرواح البشر خاضعة للسيطرة البشرية، وألا تترك بصورة كاملة للخوارزميات والأنظمة الآلية.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في السودان، حيث أصبحت المسيّرات جزءاً أساسياً من الحرب، واستخدمت في هجمات طالت مناطق مدنية ومنشآت حيوية، بينها الأسواق والمستشفيات والمدارس ومحطات الكهرباء والمياه والوقود ومخيمات النازحين.
وأشارت تقارير دولية إلى استخدام أنظمة شبه ذاتية أو مدعومة بالذكاء الاصطناعي في عدد من النزاعات، بينها السودان وأوكرانيا وغزة وإيران والخليج، وسط مخاوف من أن يؤدي التطور المتسارع في التكنولوجيا العسكرية إلى تقليص التدخل البشري في عمليات الاستهداف.
وفي السودان، قد يعني استمرار هذا المسار انتقال الحرب من استخدام المسيّرات التي يتحكم فيها مشغلون بصورة مباشرة إلى منظومات أكثر تعقيداً تعتمد على الخوارزميات في تحليل الصور، وتتبع الأهداف وتحديدها، وربما المساعدة في اتخاذ قرار الهجوم.
ولا توجد، في المقابل، أدلة مستقلة تثبت أن السودان دخل بالفعل مرحلة استخدام أسلحة مستقلة بالكامل قادرة على اختيار البشر واستهدافهم دون تدخل بشري. لكن اتساع استخدام المسيّرات والأنظمة الذكية يجعل البلاد واحدة من ساحات الحرب التي تستحق مراقبة هذا التطور عن كثب.
حرب تتجاوز الحدود
منذ 15 أبريل 2023، ظل الصراع السوداني يتحول تدريجياً من حرب داخلية إلى أزمة إقليمية، مع تزايد الاتهامات بتدخل دول وقوى خارجية في تسليح طرفي النزاع.
وجاءت غارة تشاد لتضيف بعداً جديداً إلى هذا المسار، بعدما أصبح خطر انتقال العمليات العسكرية إلى أراضي دول الجوار أكثر وضوحاً.
وبالتوازي، يتواصل سباق التسلح والتقنيات العسكرية داخل السودان، فيما يزداد الاعتماد على المسيّرات لدى الطرفين، وتدخل منظومات جديدة إلى ساحة المعركة.
ويتمسك الجيش السوداني، بقيادة عبد الفتاح البرهان، بمواصلة الحرب سعياً إلى الحسم العسكري، مستنداً إلى القوات النظامية وتشكيلات مسلحة متحالفة معه، من بينها مجموعات إسلامية مسلحة، بينما تواصل قوات الدعم السريع استخدام المسيّرات وشبكات من المقاتلين المحليين المتحالفين معها.
وبينما تتسع رقعة الحرب جغرافياً، تتغير طبيعتها تقنياً أيضاً. فلم يعد السؤال متعلقاً فقط بمن يسيطر على مدينة أو طريق، بل بمن يمتلك السماء، ومن يستطيع الوصول إلى أهداف أبعد، ومن يملك التكنولوجيا التي تمنحه أفضلية في معركة باتت المسيّرات أحد أهم عناوينها.
ومن هنا، فإن حادثة القصف داخل تشاد قد لا تكون مجرد واقعة عابرة على الحدود، بل مؤشراً إلى مرحلة جديدة من الحرب السودانية؛ مرحلة تتداخل فيها الجغرافيا مع التكنولوجيا، ويتقاطع فيها الصراع الداخلي مع مصالح القوى الإقليمية والدولية، بينما يظل المدنيون في السودان ودول الجوار الأكثر عرضة لكلفة هذا التصعيد.


