
الخرطوم ــ دخلت أسواق الخرطوم في حالة من الجمود مع التراجع الحاد في قيمة الجنيه السوداني، بعدما باتت حركة الأسعار تتغير بوتيرة تفوق قدرة التجار والمستهلكين على مواكبتها، وسط مخاوف متزايدة من بيع السلع اليوم بأسعار لا تتيح استبدالها بالكميات نفسها غدًا.
و عاشت الأسواق أمس الأربعاء، حالة من الركود في عمليات البيع والشراء، بالتزامن مع استمرار صعود العملات الأجنبية، فيما أصبحت أسعار السلع ترتبط بصورة مباشرة بالتقلبات المتسارعة في سوق الصرف.
و شهد السودان مساء اليوم الخميس شللاً مصرفياً وركوداً واسعاً في أسواق الصرف، بعدما واصل الجنيه السوداني انهياره أمام العملات الأجنبية، مسجلاً واحدة من أكبر موجات التراجع خلال يومين، وسط توقف شبه كامل لعمليات البيع في السوق الموازي وتذبذب غير مسبوق في الأسعار.
ويخسب متعاملون مع السوق السوداء فإن الدولار بلغ متوسطه عند 8800 جنيه للبيع و 8600 جنيه للشراء كمتوسط معتمد، رغم وجود أسعار أعلى لدى بعض التجار، بينما وصلت عروض محدودة إلى 9000 جنيه، في امتداد مباشر للقفزة التي شهدتها الأسواق أمس، حين ارتفع الدولار بنسبة 19.4% في سعر البيع، و 23.9% في سعر الشراء، وبنسبة 25% في الأسعار المعروضة مقارنة بسعر ما قبل موجة الارتفاع.
ويقول متعاملون إن السوق يعيش حالة شلل كامل منذ ساعات الصباح، مع توقف عدد كبير من التجار عن البيع بسبب الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه، وتزايد المخاوف من استمرار الصعود خلال الساعات المقبلة، في ظل شح المعروض من النقد الأجنبي وارتفاع الطلب بصورة مفاجئة.
وانعكس تراجع قيمة العملة المحلية سريعًا على أسعار السلع الأساسية، إذ تجاوز سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغرامًا 420 ألف جنيه، فيما بلغ سعر جوال الدقيق 116 ألف جنيه.
كما ارتفع سعر جوال العدس زنة 20 كيلوغرامًا إلى 165 ألف جنيه، وسجل جوال أرز “كبسة” نحو 230 ألف جنيه، بينما بلغ سعر جوال الفول المصري 310 آلاف جنيه.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على التجار، إذ انتقلت الزيادات المتلاحقة في الأسعار إلى الأسر السودانية، خاصة أصحاب الدخول المحدودة، مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ومع استمرار اضطراب سعر الصرف، يواجه التجار تحديات متزايدة في احتساب تكلفة السلع وإعادة بناء مخزوناتهم، فيما تنتقل تداعيات انخفاض الجنيه بسرعة إلى أسعار المنتجات المستوردة ومدخلات الإنتاج.
وتفاقمت الضغوط الاقتصادية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بعدما تعرضت قطاعات الإنتاج والنقل والتجارة لاضطرابات واسعة، وارتفعت تكاليف التشغيل ونقل السلع، فضلًا عن الصعوبات التي تعترض حركة البضائع بين الولايات.
وفي ظل هذه التطورات، أصبح سعر الصرف عاملًا حاسمًا في تحديد أسعار السلع وتكاليف الاستيراد ومدخلات الإنتاج، بينما تتواصل الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين مع اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار.
شهدت أسواق العاصمة حالة جمود كامل خلال اليومين الماضيين، مع استمرار التراجع في قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، في وقت أصبحت فيه الأسعار مرتبطة بصورة مباشرة بالتغيرات المتسارعة في سوق الصرف.
ويقول تجار إن غالبية المحال التجارية أغلقت أبوابها، بسبب العجز عن وضع تسعيرة مستقرة، خصوصاً للسلع المستوردة التي تتأثر تكلفتها مباشرة بسعر الصرف. ويؤكد تجار أن بيع البضائع اليوم قد يعني العجز عن استبدالها غداً بالكمية نفسها، ما دفع كثيرين إلى وقف البيع تماماً.
تصريحات وزير المالية – ضغط متزايد على النقد الأجنبي
أكد وزير المالية جبريل إبراهيم أن تسارع هبوط الجنيه السوداني يعود إلى اتساع الطلب على النقد الأجنبي وتزايد الواردات مقارنة بالصادرات، مشيراً إلى أن تراجع العملة ينعكس مباشرة على مستويات المعيشة، خصوصاً لدى أصحاب الدخل المحدود.
وأوضح أن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين عالمياً، خصوصاً في منطقة الخليج ومضيق هرمز وباب المندب، رفع كلفة الواردات وزاد الحاجة إلى العملات الأجنبية، في وقت توقع فيه متعاملون وصول الدولار إلى 10000 جنيه خلال أيام إذا استمرت الظروف الحالية.
ونفى الوزير لجوء الحكومة إلى شراء الدولار من السوق الموازية، مؤكداً اعتمادها على شراء الذهب وتصديره للحصول على النقد الأجنبي، محذراً من خطورة تدخل الدولة في السوق الموازي.
فجوة واسعة بين المصارف والسوق الموازي
تسجل المصارف أسعاراً أقل بكثير من السوق الموازية رغم الزيادات الأخيرة، إذ حدد بنك النيل سعر شراء الدولار عند 6900 جنيه وبيعه عند 6951.75 جنيه، بينما بقيت الأسعار في السوق الموازي أعلى بفارق كبير، ما يعكس اتساع الفجوة بين القنوات الرسمية وغير الرسمية.
ويقول متعاملون إن إحجام حائزي العملات الأجنبية عن البيع يقلّص المعروض في وقت يتزايد فيه الطلب، ما يضيف مزيداً من الضغط على الجنيه ويزيد من حالة عدم اليقين في السوق.
السوق الموازي في السودان يعيش مساء الخميس حالة انهيار واسع للجنيه وارتفاعاً كبيراً في أسعار الصرف، مع شلل مصرفي وتوقف شبه كامل لعمليات البيع، واتساع الفجوة بين الأسعار المعروضة والمتوسطات المعتمدة.
وتشير المؤشرات إلى أن السوق دخل مرحلة صعود سريع وغير مستقر، وسط ضغوط اقتصادية متراكمة، وتراجع في الإنتاج، وارتفاع في تكاليف الواردات، ما يجعل اتجاه الأسعار خلال الساعات المقبلة مرهوناً بحجم الطلب والمعروض من العملات الأجنبية.


