
القاهرة ــ عاد سؤال الحوار السياسي إلى واجهة النقاش السوداني، لكن الندوة التي حملت عنوان «هل تنجح مبادرة الحوار السوداني؟»، بالقاهرة، كشفت عن تباين واضح في النظر إلى شروط نجاح أي عملية سياسية، بين من يضع إنهاء الحرب في مقدمة الأولويات، ومن يرى ضرورة فتح المجال أمام جميع القوى السياسية، مع الفصل بين الموقف السياسي والجرائم التي تستوجب المحاسبة.
وفي ندوة نظمها منتدى أفريقيا، وأدارها الكاتب والمتخصص في الشؤون الأفريقية خالد محمود، ناقش ماهر أبو الجوخ، القيادي في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، ومعتز الفحل، القيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي، إلى جانب مداخلة من الحضور قدمها مبارك أردول، مسارات الحوار وشروطه، وموقع العدالة والقوى العسكرية والمدنية في أي تسوية مقبلة.
الحوار وإنهاء الحرب
وضع ماهر أبو الجوخ إنهاء الحرب في مقدمة شروط أي عملية حوار، مستنداً إلى موقف «صمود» الوارد في بيانه الصادر في 10 أغسطس 2026، وقال إن التحالف يرى أن الحوار ينبغي أن يبدأ من قاعدة إنهاء الحرب.
واعتبر أبو الجوخ أن الحوار السياسي في السودان ليس جديداً، مشيراً إلى أن تجارب سابقة، خصوصاً خلال فترة حكم الإنقاذ التي امتدت 30 عاماً، شهدت ست أو سبع عمليات حوار، لكنها ــ بحسب وصفه ــ تحولت إلى ما يشبه «الديكور» ولم تنتج نتائج واضحة.
وقال إن الحوارات السياسية بدأت منذ فترة طويلة، وإن الحوار منذ أكتوبر 1987 تحول، بحسب وصفه، إلى وسيلة لـ«التبضع السياسي».
ورأى أن رفض الحوار ليس موقفاً متاحاً للسياسي المدني، لكن المشاركة فيه ترتبط بظروفه وطريقة التخطيط له ومساراته والنتائج التي يمكن أن ينتهي إليها.
وشدد على ضرورة ألا تخضع عملية الحوار لسيطرة طرف واحد، محذراً من تحولها إلى أداة لاصطفاف طرف في مواجهة آخر. كما رفض عقد حوار في منطقة من السودان في مواجهة منطقة أخرى، معتبراً أن ذلك يمكن أن يعني إقراراً بمبدأ تقسيم البلاد.
العدالة وحدود الخلاف السياسي
احتلت قضية المحاسبة مساحة بارزة من النقاش، إذ رفض أبو الجوخ، من جهة، المساواة بين ما ارتكبه المؤتمر الوطني خلال ثلاثة عقود وبين حكومة مدنية استمرت 19 شهراً، لكنه أكد، من جهة أخرى، ضرورة ذهاب الأشخاص الذين توجد في مواجهتهم بلاغات تتعلق بانتهاكات إلى المحاكم.
وقال إن موقفه لا يتعلق بالإفلات من العقاب، وإن أي حوار لا يقود إلى العدالة «ليس له قيمة».
كما تناول العوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت في الأزمة السودانية، قائلاً إن أطماع السودانيين أنفسهم أسهمت في وصول البلاد إلى الوضع الحالي، بالتزامن مع أطماع وأهداف لقوى خارجية.
وفي ما يتعلق بالمؤتمر الوطني، قال أبو الجوخ إن الحزب، بحسب تقديره، لا يزال يفتقر إلى قناعة بأن ما فعله خلال فترة حكمه كان جريمة بحق السودان، معتبراً أن أرضية الحوار معه غير موجودة.

دولة مدنية بلا إقصاء
من جانبه، انطلق معتز الفحل من أن الحوار بين السودانيين مبدأ لا يرفضه أحد، مشيراً إلى أن القوى السياسية كانت تتحدث عن الحوار حتى قبل اندلاع الحرب.
وأكد أن أي حوار مقبل يجب أن يكون شاملاً، وألا تهيمن عليه جهة واحدة، معتبراً أن غياب منبر للتعبير السياسي كان أحد أوجه الإخفاق، وأن ظهور الحركات المسلحة جاء، بحسب وصفه، نتيجة «عجز سياسي».
ووضع الفحل وقف الحرب وإقامة دولة مدنية تقوم على الأحزاب والانتخابات في مقدمة أهداف العملية السياسية، مؤكداً أن جمع السودانيين لا يمكن أن يتم عبر العنف أو الإرهاب أو الشمولية، وإنما عبر قبول الآخر والتوافق والمساواة.
وقال إن لديه قناعة بأن السودان لا يمكن أن يُحكم بإيديولوجية سياسية واحدة، مشدداً على حق أي شخص في التعبير عن فكرته السياسية، ومختصراً ذلك بالقول: «أي زول سياسي عنده فكرة عنده حق يعبر عنها».
بين السياسة والمحاسبة
وفي ملف العدالة، أكد الفحل أن وقف الحرب وتحقيق السلام لا يمكن أن ينفصلا عن محاسبة منتهكي حقوق المواطنين، وأن الانتهاكات لا ينبغي أن تمر من دون مساءلة.
في المقابل، شدد على ضرورة عدم تحويل الموقف السياسي إلى جريمة جنائية، داعياً إلى الفصل بين ممارسة العمل السياسي والانتهاكات التي تستوجب المحاسبة.
وتطرق إلى قضية التطرف السياسي، مشيراً إلى وجود إسلاميين داخل الدعم السريع، ومستحضراً تجربة اليساريين في سبعينيات القرن الماضي، ومؤكداً رفضه للإقصاء والتطرف.
كما قال إن الدعم السريع أُنشئ للقضاء على «الزُرقة»، بحسب ما ورد في مداخلته، وتحدث عن اعتماد الجيش السوداني على تكوين قوات صديقة، قبل أن يشدد على ضرورة قيام جيش وطني بلا انتماء سياسي.
ربط المسارات

أما مبارك أردول، الذي شارك بمداخلة من الحضور، فركز على طبيعة العملية التي يمكن أن تقود إلى حوار قابل للاستمرار، داعياً إلى تشكيل لجنة تحضيرية سياسية تتولى بحث التفاصيل المتعلقة بالحوار.
وقال إن قضية الحرب والحوار مترابطتان، رغم اختلاف مسارات كل منهما، مشيراً إلى المسارات الأمنية والسياسية والمدنية.
وحذر أردول من انفصال هذه المسارات عن بعضها، معتبراً أن ذلك قد يؤدي إلى تأسيس واقع يقود إلى تقسيم السودان، ودعا إلى صيغة تربط المسار المدني بالمسار العسكري، معتبراً أن المسار العسكري ينبغي أن يسبقه العمل بخطوات مدنية.
وفي ما يتعلق بالبلاغات والملاحقات، دعا إلى إزالة البلاغات والملاحقات السياسية، وقال إن المطلوب عدم العودة إلى تجربة «الوثبة»، وإنما تحمل المسؤولية من أجل معالجة القضايا السودانية.
وبينما تتفق المداخلات على أهمية الحوار وضرورة الوصول إلى حل للحرب، تكشف النقاشات عن اختلافات أساسية حول شروطه وحدوده وترتيب أولوياته، من إنهاء الحرب والعدالة، إلى شمول القوى السياسية وربط المسارات المدنية والعسكرية، وهي قضايا ستظل حاضرة في أي محاولة جديدة لفتح مسار سياسي سوداني.


