
سودانس بوست/الفاشر ــ عصمت إبراهيم محمد إدريس
في عمق جبال مرة، تحديدًا في مناطق سيطرة حركة عبد الواحد نور، يعيش آلاف النازحين من مدينة الفاشر أوضاعًا إنسانية مأساوية. أجبرتهم نيران الحرب على ترك منازلهم والفرار إلى مناطق نائية بحثًا عن الأمن، لكن ما كان يُؤمَّل أن يكون ملاذًا تحول إلى عزلة قاسية ومصير مجهول.
الطريق من شرق تشاد، مرورًا بغرب دارفور وزالنجي، وصولًا إلى أول نقطة في منطقة سيطرة الحركة، مدينة نيرتتي، لم يكن سهلًا. بل شكَّل تحديات أمنية وجغرافية، خاصة بعد الوصول إلى منطقة نيرتتي حيث تنقطع الطرق وتزداد معاناة السيارات مع التضاريس الجبلية القاسية، في ظل غياب شبه تام للمنظمات الإنسانية ووسائل الإعلام.
تكشف هذه المناطق عن مأساة صامتة يعيشها بشر بلا صوت، يكافحون يوميًا من أجل البقاء وسط نقص حاد في الغذاء والدواء والتعليم والخدمات الأساسية.
رحلة النزوح إلى جبل مرة
النازحون الذين قدموا من الفاشر إلى جبل مرة سلكوا طرقًا وعرة. بعضهم مشى لأيام تفاديًا لنقاط الاشتباك، ومروا بمناطق تسيطر عليها قوات مختلفة لا يعرفونها. ومع ذلك، حملهم الأمل في أن يجدوا مأوًى آمنًا يوفر لهم ضروريات الحياة.
تقول سلمى صالح، وهي معلمة نازحة من حي أولاد الريف بمدينة الفاشر، وصلت لمنطقة طويلة في منتصف أبريل الماضي، إن الحركة وفرت لهم الأمن وقدمت المساعدة بالتعاون مع المجتمع المحلي، لكن الأعداد كانت أكبر من قدرة الطرفين على الاستجابة.
ويروي جاد الرب سليمان، أحد النازحين، أنه غادر الفاشر في نهاية مايو المنصرم بعد أن خلت الأحياء من السكان. مضى ليلًا في شوارع المدينة المهجورة، وتعرض للضرب والاستجواب من قبل عناصر يتبعون للقوة المشتركة حسب قوله، طالبوه بعدم المغادرة لكنه تمكن من الفرار وقضى الليلة مع آخرين التقاهم في الطريق حتى وصل إلى أول نقطة سيطرة للحركة في طويلة، التي وصفها بأنها كانت في حالة إنسانية كارثية نتيجة غياب معظم أساسيات الحياة وارتفاع الكثافة السكانية.
ويؤكد الصافي هارون، الناشط في مجال حقوق الإنسان وموظف بإحدى المنظمات، أن عدد النازحين تجاوز السبعين ألفًا، ولا تزال أعدادهم في تزايد يومي وسط ضعف واضح في الاستجابة الإنسانية، خاصة في مجالي الصحة والغذاء.

واقع من القسوة والعزلة
في قلب جبل مرة، يعيش النازحون يوميًا وسط معاناة قاسية، حيث السكن مجرد رواكيب بدائية بُنيت بوسائل بسيطة. لا مياه نظيفة ولا كهرباء ولا مرافق صحية. الغذاء يعتمد على ما تقدمه بعض المنظمات أو ما يتم تقاسمه من مؤن شحيحة، والدواء شبه معدوم، مما يجعل الأمراض الموسمية والمزمنة تهدد حياة المئات، خصوصًا الأطفال والنساء الحوامل.
لا توجد مدارس، ويعيش الأطفال بلا تعليم في ظل بيئة غير صحية تنتشر فيها الأوبئة، وتنهار معها البنية النفسية والاجتماعية تدريجيًا، وتتفتت الروابط التقليدية، وتزرع في قلوب الصغار بذور الخوف بدلًا من أحلام الطفولة.

إعلان المنطقة منطقة كوارث
أعلنت السلطات في مناطق سيطرة حركة عبد الواحد محمد نور في بيان لها مناطق سيطرتها “منطقة كوارث” بعد أن انتشر عدد من الأوبئة في ظل ضعف الخدمات الصحية. وقالت في بيان لها إن أكثر من 7 ملايين شخص بمناطق سيطرتها يواجهون أوضاعًا صحية كارثية. وأشارت الحركة في البيان الصادر من رئيس السلطة المدنية بالمناطق المحررة مجيب الرحمن محمد الزبير، إلى تأكيد أكثر من 1550 حالة كوليرا في مخيمات طويلة وحدها. وعزت الحركة انتشار الكوليرا إلى التكدس الكبير للنازحين. وقال البيان إنه على الرغم من النداءات المتكررة من قبل السلطات، فإن استجابة المنظمات لم تتجاوز 35%.
وفي السياق، قال الناطق الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين بإقليم دارفور، آدم رجال، إن وباء الكوليرا انتشر في معظم مناطق جبل مرة، حيث بلغت الحالات المؤكدة حتى يوم 2 أغسطس الجاري 3547 حالة بمخيمات طويلة وجبل مرة، مشيرًا إلى ضعف الاستجابة وغيابها في بعض المناطق في ظل موجة نزوح عالية تجاوزت المليون نازح قادمين من مدينة الفاشر والمناطق المجاورة لها.
غياب الإعلام والمنظمات يزيد العزلة
رغم حجم المأساة، لم تصل كاميرات الإعلام إلى هذه المناطق، ولم تنقل قصص سكانها إلى الرأي العام. يعيش نازحو الفاشر في مناطق جبل مرة في عزلة إعلامية خانقة تعمقها صعوبة الوصول الجغرافي وتعقيدات المشهد العسكري والخوف من استهداف الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني.


