
الجنينة _ سودان بوست
عندما باشر الأطباء العمل في مستشفى الجنينة التعليمي، لم تكن المدينة قد تعافت بعد من تداعيات الحرب، ولم تكن لديهم مطالب محددة، ولا توجد جهة يمكنهم مطالبتها آنذاك. باشروا العمل بدافع إنساني وخوفًا على الأرواح، والتزامًا بالقسم المهني الذي أدوه.
حيث قام الأطباء بتنظيف المستشفى من الحشائش والأعشاب الضارة، وأعادوا إليه الحياة والحيوية بعد الدمار والخراب والسرقة التي لحقت بالمؤسسات الطبية.
و عملوا عبر ما عُرف بـ “لجنة الأطباء” كمتطوعين دون مقابل، فعالجوا المرضى وأعادوا الحياة إلى المدينة بأكملها من خلال إعادة تشغيل المستشفى.
بعد أن أعادت لجنة الأطباء جميع المؤسسات الطبية إلى العمل، وأصبحت تقدم الخدمات العلاجية للمرضى، تسللت وزارة الصحة إلى المشهد وسيطرت على جميع المؤسسات الطبية، مدعية أن تشغيل المؤسسات العلاجية هو من مهامها.
قامت الوزارة بإبعاد اللجنة التي كان يرأسها اختصاصي الجراحة والمسالك البولية السيد محمد الموفق، وسيطرت على العمل الطبي بعد أن أعادت اللجنة تأهيله.
و عينت الوزارة إدارات جديدة تابعة لها، وعملت على إعاقة العمل بإجراءات بيروقراطية عقيمة بدلاً من تسهيله.
و دخلت المنظمات الدولية إلى الولاية وتولت إدارة بعض الأقسام بالكامل، منها قسم الأطفال. أصبح الأطباء يعملون بحافز قدره (866) دولارًا، ثم تغير المبلغ فجأة إلى (1720) جنيه سوداني (بالعملة الوطنية)، وهو مبلغ أقل من القيمة السابقة.
و أعرب الأطباء عن عدم رضاهم للحافز الجديد الذي تدفعه منظمة “أطباء بلا حدود” السويسرية عبر وزارة الصحة الولائية.
و اجتمعت الوزارة بالأطباء مرات عديدة، وطالبتهم برفع الإضراب ووعدتهم بحل المشكلة. رفع الأطباء إضرابهم، ولكن المشكلة لم تُحل.
و عاد الأطباء إلى الإضراب مرة أخرى، فاستخدمت الوزارة المساعدين الطبيين والممرضين للعمل بدلاً عن الأطباء الستة عشر، كإحدى آليات الضغط التي استخدمتها الوزارة ضد الأطباء للتنازل عن مستحقاتهم.
قال الأطباء إن استبدال المساعدين الطبيين والممرضين بالأطباء يعد مخالفة طبية ومهنية، أثرت سلبًا على تقديم الخدمات، لأن مهمة المساعدين الطبيين هي العمل في المراكز والعيادات الخارجية وليس إدارة أقسام المستشفى.
و تدخل رئيس الإدارة المدنية، التجاني الطاهر كرشوم، لحل المشكلة، واستمع إلى الأطباء بحضور مدير عام الوزارة عبد السلام مصطفى صالح، ورئيس المجلس التأسيسي عبد الباقي علي حسين. بحسب الأطباء الذين استمعت إليهم صحيفة “سودان بوست”، لم يعلق كرشوم على مطالب الأطباء، واكتفى بمطالبتهم بالعودة إلى العمل، وإلا فإنه سيستعين بالمساعدين الطبيين بدلاً منهم لضمان سير العمل.
و عاد الأطباء إلى الإضراب مرة أخرى، لكن هذه المرة مع زيادة في المطالب، تشمل تحسين بيئة العمل، وتقليل ساعات العمل الإضافية، ومعالجة مشكلة التردد العالي للمرضى بزيادة عدد الأطباء، وتسمية أطباء للورديات، وأن يصبح الحافز ألف دولار بدلاً من (866) دولار.
و لم تستجب السلطات المحلية للمطالب. بل قال مجموعة من الأطباء (فضلوا حجب أسمائهم خوفًا من الملاحقات والمضايقات الأمنية) لـ”سودان بوست” إنهم تعرضوا لتهديدات تهدف إلى إجبارهم على العودة إلى العمل بشروط الوزارة، بعيدًا عن تحقيق مطالبهم.
و فشلت “سودان بوست” في الحصول على تعليق رسمي حول تفاصيل الإضراب.
و رفع الأطباء الإضراب وعادوا إلى العمل دون تحقيق مطالبهم، استجابة لنداء وجهته الدكتورة محاسن (التي تشغل منصب المدير العام للمستشفى)، خاطبت فيه الجانب الإنساني لديهم، وطالبتهم بمراعاة مصلحة المرضى قبل كل شيء. كما أن السلطات وضعتهم في مواجهة مع المجتمع بأن الأطباء لا يرغبون في خدمتهم.
ويتساءل الأطباء: لماذا تصر الوزارة على إعاقة صرف مستحقاتهم، وترفض أن يستلموا حوافزهم بالدولار أو ما يعادلها؟
و من المتوقع أن يعود الأطباء إلى الإضراب في أي وقت حسب تصريحاتهم، لأن مطالبهم لم تتحقق بعد.


