
طوال أشهر اشتداد النزاع بالعاصمة المثلثة، ظلت منطقة كرري بمدينة أم درمان أحد أكثر الأماكن أمنًا، على الرغم من سقوط صواريخ وقذائف في بعض الأحياء بين الفينة وأخرى.
وشكلت كرري بذلك وجهة للنزوح من المناطق اﻷكثر تضررًا بالنزاع والتي تحولت لمناطق «عمليات عسكرية» سواء في مدينة أم درمان أو الخرطوم والخرطوم بحري.
ومع استمرار النزاع وتعطل السوق الرئيسية بالمدن الثلاثة، تحول شارع الوادي إلى البقعة اﻷكثر حيوية في العاصمة بأثرها، واحتضن الشارع نشاطًا تجاريًا ضخمًا في فترة وجيزة.
فالزائر للشارع لا يحتاج غير بضعة ثواني لإدراك أهمية وحيوية الشارع الذي يحوي متاجر ذات أنشطة تجارية مختلفة من بيع الملبوسات، متاجر الجملة الغذائية، محلات الذهب والمجوهرات، البقالات الكبيرة، وحتى العيادات والمدارس وغيرها، حتى غدى بذلك الشارع إلى وجهة لفئات المختلفة للحصول على الخدمات والتبضع.

تجولت مراسلة «سودانس بوست» واستطلعت عددًا من التُجار والمتسوقين بـ«شارع الوادي» حول الحركة التجارية الجديدة في المنطقة.
زخم يفوق سوق أم درمان
أوضح «محمد» وهو شاب في مقتبل الثلاثين من عمره، يعمل في تجارة الملبوسات الرجالية، فقد عاود العمل في أم درمان وتحديدًا شارع الوادي منذ ما يزيد عن العام.
ونوه «محمد» إلى أن «زخم الحركة التجارية ونشاط السوق في شارع الوادي أكبر بكثير من سوق أم درمان، حيث كان يمتلك متجرًا بشارع الدكاترة -موقع مشهور لبيع الملبوسات الرجالية- ويعمل بالتوازي مع الشارع الحالي».
وقال التاجر الشاب في حديثه لـ«سودانس بوست»، “شارع الوادي تحول لسوق الخرطوم الكبير بدلًا عن شارع الدكاترة والسوق العربي”، لافتًا إلى زيارة عدد زبائن متجره المتحرك بين مدينتي بحري والخرطوم.

وبالسؤال عن دور المحلية، أكد «محمد» أنهم يمنعون البيع عبر الطريقة المتجولة ويجبرون التجار بين الفينة و اﻷخرى على إغلاق عرباتهم التجارية المتنقلة.
قدرة شرائية ضعيفة
من جانبه أكد صاحب محل في شارع الوادي فضل حجب اسمه، «أنه فقد محله الذي يعمل فيه منذ حوالي 10 سنوات بسبب الحرب، ما دعاه للانتقال وبدء العمل في الولايات الآمنة خلال فترة الحرب».
ومضى صاحب المحل في حديثه لـ «سودانس بوست»، “كنت أمتلك محلًا تجاريًا في حي بري بالخرطوم، ولكن الآن أعمل في أم درمان، وبعد اختلاف الوضع عمومًا في البلاد نواجه كتجار صعوباتٍ مرتبطة بالتضخم، والإيجارات بالعملة الصعبة”.
لافتًا إلى أن الوضع الاقتصادي قلل من القدرة الشرائية وقصرها على فئات معينة، ومناسبات محدودة فقط.
وبالحديث عن الجبايات أوضح أن «الجبايات أصبحت كثيرة مقارنة بالماضي وأن بعضها سنوية وبعضها شهرية، وتأتي في أوقات غير منتظمة، وتشتمل على بنود صرف متعددة، كالنفايات ورسوم المحلية، وغيرها، والتي تفوق حاجز الـ200 ألف في الشهر».
مضيفًا بقوله: تلك الجبايات لا بُد من وضعها كافة في إيصال واحد، لأنها بهذا النمط تفتح بابًا واسعًا للفساد.

في ذات السياق، أكد صاحب محل لبيع الملبوسات الرجالية أن موسم العيد المنصرم كان ضعيفًا جدًا، مقارنة القوة الشرائية في مواسم ما قبل الحرب.
وأوضح «عن امتلاكه قبل ما يزيد عن العام محلًا تجاريًا في منطقة اﻷبراج بـ أم درمان، مبينًا أن المواسم والبيع خلالها كانا محدودين للغاية»، بحد قوله.
وقارن التاجر الوضع بمحله الأساسي في السوق العربي قبل الحرب قائلًا «البيع في السوق العربي كان كثيفًا، الحركة كبيرة والسوق أكثر حيوية، لكن الحرب أثرت على المكان وتمت سرقة متجري بالكامل».
مساحة بيع للنساء
تروي «تقوى»، بائعة متنقلة، تمتلك طاولة لبيع البخور والعطورات السودانية التقليدية في شارع الوادي، إنها كانت تستأجر مساحة داخل أحد المحال التجارية في أحد المولات الكبيرة، لكنها أجبرت على التوقف عن البيع في تلك المساحة بسبب الحرب، كما اضطرت للنزوح إلى مدينة كوستي، بينما فقدت أيضًا بعض المناديب خارج السودان كذلك.
وتحكي تقوى التي لا تزال طالبة تمريض عالي، «أن والدتها بدأت العمل منذ حوالي 15 عامًا في هذا المجال -صناعة العطور السودانية والتجارة فيها- وأنها تعلمت تلك المهنة من منها وبدأت العمل بها قبل التحاقها بالجامعة».
لافتة إلى أن العمل كان مصدر الدخل اﻷساسي لها خلال فترة الحرب لإعالة أسرتها المكونة من 8 أفراد، حيث تمكنت عبره من سداد رسوم التسجيل في الجامعة.

مبينة أن المحلية أحيانًا تداهم الشارع ويضطرون للمغادرة، وأن طاولتها قد تمت مصادرتها سابقًا.
ويشهد شارع الوادي حركة كبيرة للنساء البائعات عبر الطاولات المتنقلة، أو العاملات في بيع الشاي واﻷطعمة على طول الشارع.
متسوقون راضيون
يقول «محمد اﻷمين» الطالب الجامعي «أنه كان يتبضع في شارع الوادي، واختار التبضع فيه بناءًا على نصائح أصدقائه ومعارفه الذين أشاروا إليه بالتبضع هناك».
مؤكدًا، «أنه قام بذلك لتوفر كل السلع التي يمكن أن يحتاجها في الشارع،
ويصف حركة الشارع بأنها ضخمة في كل الأنشطة»، مضيفًا بالقول “محال الحلاقة، الملابس، البقالات، وكل محل مشغول ومزدحم للغاية”، مبينًا أن اﻷسعار معقولة ومنطقية وجودة البضاعة كذلك.
ازدحام خانق
وأردف «محمد» قائلًا “أن الشارع عمومًا في حاجة لتنظيم، لأن حركة التجار تحد من فعالية الشارع بالنسبة للسائقين والعربات”.. في ذات السياق، تؤكد ابتغاء التي قصدت السوق للتبضع لاحتياجات المنزل أن الشارع به كافة احتياجات الأسرة من المواد التموينية واللبس وحتى الكماليات.

تسهيل وصول
من جانبها تقول المواطنة مي لـ«سودانس بوست» أن الحركة التجارية الجديدة بشارع الوادي قد سهلت التسوق على العديد من اﻷسر في مدينة أم درمان، بعد ضيق خيارات التسوق عقب دمار بقية الاسواق في العاصمة المثلثة.
مؤكدة أن السوق الجديد وبالرغم من ازدحامه إلا أنه يتيح مساحة للمتسوقين من مدينتي بحري والخرطوم، كذلك وأن أقاربها كانوا قد قدموا في أواخر الشهر الفضيل لزيارة السوق والتبضع منه.
ودعت «مي» الحكومة لتنظيم الشارع واتاحة فرص للتجار والباعة غير المنظمين أن يمارسوا نشاطهم بما يحفظ كرامتهم، وكذلك الحفاظ على سلاسة وانسياب الشارع.


