
تقرير – أحمد بريمة
لم تعد صفوف السيارات أمام محطات الوقود في الخرطوم وبورتسودان مشهداً استثنائياً، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية. وبينما تتحدث الحكومة عن وفرة في الشحنات، يشكو المواطن من انعدام الوقود.
هذا التحقيق يكشف أن الأزمة ليست في عدد الشركات، بل في آلية التمويل.
من 39 إلى 8
كشفت مصادر في قطاع الطاقة أن وزارة الطاقة قلصت عدد الشركات المؤهلة لاستيراد الوقود من 39 شركة إلى 8 شركات فقط، ضمن ما وصفته بإعادة تنظيم السوق.
لكن هذا القرار، بحسب مستوردين، خلق ضغطاً كبيراً على النظام المصرفي، الذي أصبح مطالباً بتوفير ملايين الدولارات لعدد أقل من الشركات في وقت وجيز.
الباخرة تصل.. والدولار لا يصل
يقول أحد المستوردين، فضل عدم ذكر اسمه: “الباخرة تصل إلى ميناء بورتسودان محملة بـ 30 ألف طن، قيمتها حوالي 7 ملايين دولار. المورد الأجنبي يطلب دفع كامل القيمة قبل التفريغ. نذهب إلى البنك، البنك يقول ليس لدينا كل المبلغ الآن، سنوفره على دفعات”.
والنتيجة، حسب المصدر، أن الباخرة تفرغ جزئياً، 10 آلاف طن هذا الأسبوع، و10 آلاف الأسبوع المقبل، فيما تظل الولايات تنتظر.
31% للحكومة و4% للمستورد
الأرقام الرسمية التي حصلنا عليها تظهر أن هيكل تسعير الوقود يترك هامش ربح ضئيلاً جداً للمستورد.
من كل شحنة، تذهب 31% مباشرة كرسوم حكومية، تتوزع بين الجمارك والضرائب والزكاة ورسوم وزارة الطاقة وما يسمى بـ “فرق المحروقات”.
وبعد خصم كل التكاليف، لا يتجاوز صافي ربح الشركة المستوردة 4% من قيمة الشحنة، أي حوالي 280 ألف دولار من شحنة قيمتها 7 ملايين دولار.
ويعلق خبير اقتصادي: “بهذه الأرقام، لا يمكن الحديث عن أرباح خيالية أو احتكار يدر الملايين. المشكلة هي أن الدولة تريد أن تمول موازنتها من الوقود، والمواطن هو من يدفع الثمن في شكل ندرة”.
احتكار أم اختناق؟
تتضارب التفسيرات. الحكومة ترى أن تقليص الشركات هو تنظيم للسوق ومنع للفوضى. أما التجار فيرون أن الأزمة سببها عدم قدرة البنوك على توفير النقد الأجنبي في الوقت المناسب.
ويرى المحلل الاقتصادي د. كمال كرار أن ما يحدث ليس احتكاراً تقليدياً، بل “اختناق تمويلي”. ويقول: “عندما لا تستطيع البنوك تمويل الاستيراد، فإن السوق يتعطل تلقائياً، حتى لو كان هناك 100 شركة”.
حتى صباح اليوم، لا تزال 3 بواخر راسية في انتظار اكتمال التمويل، فيما تصطف مئات الشاحنات في الطريق القومي بورتسودان – الخرطوم.

