
الجنينة – بشكل مفاجئ، ظهرت «شركة النذير للأنشطة المتعددة» بمدينة الجنينة حاضرة ولاية غرب دارفور، بنشاط مريب و رأسمال ضخم، حيث استطاع النذير إقناع عدد كبير من التجار خلال فترة وجيزة بعوائد وفوائد عالية؛ وبهذه الحيلة، جمع مبالغ طائلة منهم وصلت إلى خمسمائة وخمسين مليون فرنك سيفا، أي ما يعادل ثلاثة تريليونات جنيه سوداني.
و بحسب متابعات «سودانس بوست» لآحقا انشغل النذير بأعمال خيرية وتبرعات بمبالغ كبيرة تحت لافتة «المسؤولية الاجتماعية للشركة»، حيث وزع سلالًا غذائية للنازحين والمجتمع المضيف في احتفالات رسمية حضرتها وباركتها السلطات المحلية. هذا الظهور الرسمي منح التجار ثقة كبيرة به، فتسابقوا إلى تسليمه أموالهم أملًا في مكاسب ضخمة وسهلة.
ومع مرور الوقت، أصبح النذير، الوافد الجديد إلى السوق، من كبار التجار رغم غياب أي نشاط تجاري واضح.
لكن بعد أن راكم ثروات طائلة، اختفى فجأة تاركًا موظفي الشركة خلفه؛ وألقت السلطات القبض عليهم وحققت معهم، غير أنهم أكدوا أنهم لا يعلمون مكانه ولا مصير الأموال.
و تحول اختفاؤه إلى لغز بين الناس، وانتشرت روايات بأن ما جرى ليس سوى «خدعة من بورتسودان لتجفيف السوق من الأموال وضرب الاستقرار».
وأرجع كثيرون الأمر إلى جهات منظمة وسياسية تقف خلف النذير، خصوصًا أنه شاب صغير، محدود الخبرة وقليل التجربة.
و تعالت أصوات الضحايا؛ واجتهد بعضهم في البحث عنه، بينما فقد آخرون الأمل. إلى أن تمكن أحد المتضررين قبل نحو أسبوع من الإبلاغ عنه، ليتم القبض عليه في نيجيريا بواسطة ضابط في الجوازات.
وبحسب شهادة أحد التجار المتضررين تحدث لـ «سودانس بوست» فضل حجب اسمه، فإن النذير حضر إلى مصلحة الجوازات في نيجيريا لاستخراج جواز سفر جديد باسم مزيف بهدف السفر إلى أوروبا؛ لكن الضابط قارن صورته بما هو منشور في هاتفه، وتأكد أنه «النذير السوداني» المطلوب في قضايا نصب واحتيال؛ وبعد جدال، انسحب الوسيط الذي كان يحاول مساعدته، فزاد ذلك من شكوك الضابط وتم القبض عليه والتواصل مع أصحاب الأموال الذين تعرفوا عليه شخصيًا.
لاحقًا، رُحّل إلى الكاميرون ثم إلى أنجمينا بدعوى أن بلاغًا مفتوحًا ضده هناك، ومنها إلى مدينة أدري التشادية على الحدود مع السودان. غير أن السلطات التشادية رفضت تسليمه للسودان بحجة أنه يحمل أوراقًا ثبوتية تشادية، فدفع أصحاب الحق عشرة ملايين فرنك سيفا «نحو ستين مليار جنيه سوداني» لمسؤولين هناك لتسهيل عملية تسليم المتهم إلى السلطات السودانية.
وبالفعل، تم تسليمه إلى رئيس الإدارة المدنية التجاني الطاهر كرشوم وبعض الإدارات الأهلية، الذين بدورهم سلموه لاستخبارات «الدعم السريع» للتحقيق معه.
وكشف أحد المتضررين أنهم أنفقوا أكثر من 75 مليون فرنك سيفا لمسؤولين في نيجيريا والكاميرون وتشاد حتى تمكنوا من استعادته إلى السودان.
وبحسب مصدر مطلع، اعترف النذير خلال التحقيق بخداع 21 تاجرًا، بمبالغ إجمالية قدرها 550 مليون فرنك سيفا «ما يعادل ثلاثة تريليونات جنيه سوداني». لكنه أكد أنه سلّم هذه الأموال إلى تاجر وقود يُدعى (أ. ح)، وهو شقيق أحد زعماء الإدارات الأهلية بالجنينة.
و تطابقت أقوال النذير مع اعترافات سابقة لموظفي الشركة الذين أكدوا بدورهم أن الأموال سُلمت لذلك التاجر.
وعندما استُجوب التاجر (أ. ح) أنكر الاتهام، بل زعم أن النذير مدين له بـ45 مليار جنيه سوداني.
أوضح النذير أنه لا يملك أي أموال وأنه سلّم كل شيء للتاجر المعني قبل هروبه.
من جهتهم، أعرب الضحايا عن استيائهم من طريقة التحقيقات وعدم ثقتهم في الجهة التي تولّت الملف، بحجة أنها ليست جهة اختصاص ولا تمتلك الخبرة الكافية لإنجاز المهمة.
ويرى مراقبون أن القضية قد تنتهي بتسوية بين الضحايا من جهة، وبين النذير وأسرته من جهة أخرى، بحيث يسترد التجار جزءًا من أموالهم بدلًا من فقدانها بالكامل.


