
الدبة _ عثمان الطاهر
كان مستلقيًا شارد الذهن وكأنه يحاول أن يداري معاناته وآلامه بعيدًا عن نظرات الناس الذين يتجولون داخل المعسكر، ممسكًا بمسبحته في محاولة لتخفيف الإرهاق والتعب من النزوح بذكر الله. يفترش الأرض بعد أن نصب الخيمة لعائلته الصغيرة، غير مبالٍ بأصوات الرياح ولا بضجيج الصّبية الذين يمرحون حوله. يحدق نحو الأفق وكأنها أصبحت له الملاذ الآمن بعد أن خرج مع أطفاله من الفاشر مؤخرًا بعد أن اشتدت المعارك في رحلة نزوح استمرت أكثر من سبعة أيام نحو معسكر أزهري المبارك بمنطقة العفاض بالولاية الشمالية. واستمعت «سودانس بوست» من معسكر العفاض بالدبة بالولاية الشمالية لقصص النازحين من الفاشر في محاولة للوقوف على الوضع الإنساني.

رحلة نزوح
«استيقظنا على أصوات المدافع والرصاص نحاول الخروج في مشهد مرعب ومخيف مع تصاعد الدخان الكثيف وانهمار الرصاص، وأُلقيت علينا دانات بمنزلنا تُوفي سبعة من أُسرتنا» هكذا ابتدأ أحد النازحين من الفاشر حديثه لـ «سودانس بوست». وأشار إلى أن ما حدث لا يمكن وصفه، واتهم جنود الدعم السريع بقتل الشباب لجهة أن نجاته تمت بأمر من المولى عز وجل، وأن الحظ حالفه بأنه يرتدي «جلابية» حالت دون أن ينتبه له الجنود. ووصف اللحظات الأخيرة بالصعبة والمرعبة في ظل انعدام الغذاء والدواء والكساء. وأضاف بنبرة متهدجة من الألم: «بل وصل الأمر إلى أن بعض الأطفال تناولوا البراز لعدم توفر المياه للشرب ولا يوجد خيار آخر للنجاة، والكثير من المواطنين حاولوا الخروج تم اغتيالهم دون شفقة أو رحمة. هؤلاء بلا قلوب. رحلتنا استمرت أكثر من ثمانية أيام سيرًا على الأقدام»، لافتًا إلى أن بعض كبار السن كانوا يمتطون الحمير ويتناوبون على ذلك عشرات المسنين. واعتبر أن ما جرى لهم مأساة ومعاناة لا يمكن الحديث عنها وتفوق خيال أي بشر، وأن المشهد أقرب لـ «يوم القيامة»، الكل كان يبحث عن مخرج.

الخروج من الموت
وذكر أنه عندما اشتد الاشتباك اضطر المواطنون لحفر الخنادق للحماية من المقذوفات والرصاص والدانات، وأن القصف يبدأ منذ صلاة الصبح بلا توقف. وفي اليوم الواحد يتم إطلاق 1000 دانة وأقلها 200 إلى 300 دانة بصرف النظر عن وجود اشتباك أم لا. ونوه إلى أن المواطنين يضطرون لتناول الطعام داخل الخندق فقط مع إمكانية استهداف الناس في التجمعات خاصة بأماكن المياه وآبار الشرب. وأكد في حديثه لـ «سودانس بوست» أن التجار في اللحظات الأخيرة يستغلون المواطنين في الحصول على السلع الغذائية، وأن العشرات ماتوا جوعًا وآخرون تسمموا جوعًا نظرًا لأن الأُمباز لبعض الناس كطعام لا يُحتمل. وأوضح أن سعر وجبة الأرز الواحدة بلغ 300 ألف في اللحظات الأخيرة لسقوط الفاشر. وذكر أن اللحظات الأخيرة لا يوجد شاش لمعالجة الإصابات وأنه قد تم استخدام جوالات الخيش بدلًا عن الكفن لستر الموتى، مشيرًا إلى أن الاستهداف كان يتم أيضًا بالمقابر مثل «الخروج من الموت للموت». وأضاف بنبرة يكسوها الحزن: «لك أن تتخيل يتم استهدافك وأنت تحاول دفن شخص ميت ومن ثم تموت وأنت تحاول تشييعه». وقال إن هنالك كمية من الجثث في طريق النزوح للدبة، وأن الاستهداف يتم عبر الدانات داخل المنازل، مؤكدًا أن عشرات الأسر فقدت أبناءها بسبب الخوف والرعب وحتى الآن لا يعرف مصيرهم. ويضيف قائلًا بعد مسح دمعة رفضت أن تبقى حبيسة بعينيه: «الحمد لله على كل حال».


مبادرات شعبية
وعن طبيعة الوضع بالمعسكر خلال جولة «سودانس بوست»، تبدو بعض البراميل المخصصة للمياه فارغة وموزعة على أنحاء المعسكر في انتظار صهاريج المياه لتمحو عنها التربة. ومن الملاحظ أيضًا سير النازحين لمسافات بعيدة لقضاء حاجاتهم نظرًا لعدم توفر دورات المياه عدا ثلاث غرف فقط مزدحمة. ويبذل منسوبو المنظمات الطوعية جهدًا لتقديم الوجبات والأطعمة للنازحين مع بعض أفراد من المتطوعين الذين ينشطون تحت لواء المبادرات الشعبية «التكايا». حيث يقومون بإعداد الأطعمة وتوزيعها للوافدين بمعسكر أزهري المبارك بالعفاض، وبعض المبادرات نشطت في توزيع الأواني المنزلية والبطاطين. حيث يقول ممثل مبادرة «ملك الابتسامة» عبد الرازق محمد أحمد لـ «سودانس بوست»: «إننا منذ وصولنا لاحظنا احتياج الناس للأواني المنزلية لذلك نقوم نحن بتوزيعها على الناس كما نعمل على توزيع شنط الأطفال حديثي الولادة للأمهات الحوامل أو من كن على وشك الولادة، حيث نملكهم شنطة مخصصة للطفل تضم كافة المستلزمات». وذكر أنهم يستهدفون المعسكر بأكمله وحتى الآن تم التوزيع لعدد 500 أسرة. وشدد على ضرورة توفير احتياجات النازحين من مياه للشرب ودورات المياه والإسراع بالتدخل. وطالب بتوفير الكهرباء للمعسكر.
أوضاع المعسكر
وبالمقابل يقول رئيس لجنة الطوارئ والأزمات بمعسكر العفاض عن وضع معسكر أزهري المبارك إن هنالك لجنة معنية بتهيئة البيئة للوافدين تضم ممثلي الصحة والشؤون الاجتماعية والجهات النظامية. وأشار في حديثه لـ «سودانس بوست» إلى أن الخطوة الأولى تستهدف 3300 أسرة وتم تجهيز 3300 خيمة نُصبت منها 1100 خيمة. وتوقع وصول 1200 خيمة مقدمة من منظمة قطر الخيرية بجانب سلال غذائية. وكشف عن أن الجانب الغذائي يظل مؤمنًا لمدة شهر لجميع الأسر الوافدة. وذكر أنهم شرعوا بتوزيع «فرشات» مع الخيام ومشمعات براميل مياه وبعض الأسرّة لبعض الخيام. وكشف عن توزيع بعض «الدّفايات»، لافتًا إلى وجود سبع عيادات وعيادات متجولة وإسعاف للحالات الطارئة، وأن التحويل للمستشفيات مجاني عبر ديوان الزكاة. مشيرًا إلى وجود نقص في دورات المياه مطالبًا المنظمات بالتدخل لتوفيرها. وعن الجانب الوقائي كشف عن القيام بثلاث حملات رش لإصحاح البيئة لكن الأمر بحاجة للتدخل نظرًا لانتشار البعوض وتكدس النفايات، داعيًا للتدخل العاجل. وطالب بتوفير طلمبات رش وأدوات نظافة لأن المحلية يوجد بها ثلاث سيارات نفايات.
احتياجات أخرى
وفي السياق ذاته يشير الأمين العام لمنظمة المهاد الخيرية فتح الرحمن عيسى أن عملهم يعتمد على «التكايا» والأطعمة يوميًا لكن بمعسكر العفاض يعملون أيامًا محددة وباقي الأيام لا يعني أنهم بعيدون عن المعسكر بل لديهم تدخلات أخرى مثل توزيع احتياجات أخرى: صابون ومعجون وفرش أسنان واحتياجات بنات.
وذكر في حديثه لـ «سودانس بوست» أن «تكيتهم» تعمل في وجبة الغداء نظرًا لبعد مكان سكنهم. وأكد أن الطعام ليس كافيًا لوحده بل أن الوافدين يحتاجون للدفايات واحتياجات البنات أيضًا لكنها تظل مهمة مثل الغذاء مع أن بعض الناس ينظر لها على أنها أشياء غير مهمة.


