رأي | جمهورية الاستوائية الاتحادية وليس جنوب السودان

كتب د. حكيم داريو

رئيس الحركة الشعبية الديمقراطية الدكتور حكيم داريو [أرشيف الصورة]

رئيس الحركة الشعبية الديمقراطية الدكتور حكيم داريو [أرشيف الصورة]

رأي – من وجهة نظري ، الخطأ التاريخي الذي ارتكبه القادة السياسيون لحركة أنيانيا كان الانتقال إلى حركة تحرير جنوب السودان بدلاً من حركة تحرير الاستوائية (ELM / A).

كان لديهم الخيار والحرية للقيام بذلك دون منازع بوصفهم القادة الأوائل الذين أشعلوا حرب الاستقلال. لم يكن هناك ما يمنعهم من ترسيخ النضال من أجل الاستقلال في جمهورية الاستوائية الفيدرالية (EFDR) لأن الاستوائية كانت موجودة كدولة مع حاكمها (صموئيل بيكر ولاحقًا تشارلز جوردون) منفصلة عن السودان خلال الحكم العثماني وفيما بعد تحت الحكم المصري البريطاني. حكم عمارات.

لم تكن هناك معارضة سياسية لإدخال جميع المقاطعات الجنوبية تحت مملكة جمهورية الاستوائية ، حيث كان من المقرر أن تصبح جميع الأراضي الواقعة تحت حكم العثمانيين مستقلة عندما توقفت الإمبراطورية العثمانية في عام 1923 بعد ولادة الجمهورية التركية.

لكن البريطانيين قرروا ضم الاستوائية لتصبح جزءًا من إدارة السودان في عام 1910 دون استشارة السكان ، وهو ما يرقى إلى انتهاك معاهدة مع بلجيكا.

فقدت الاستوائية كدولة وجودها المنفصل كدولة من هذه النقطة فصاعدًا.

كان لدى قيادة أنيانيا كل الأسباب والمبررات لتحرير ولاية الاستوائية لتوسيعها لتوحيد جميع الأشخاص الموجودين في نطاق قانون الدوائر المغلقة ، بما في ذلك المقاطعات الثلاث.

في الواقع ، توحد الأنانيون وقادوا شعب المقاطعات الثلاث ، دون تحدي ترسيخ النضال من أجل استقلال دولة الاستوائية التي فقدت وجودها في عام 1910.

اليوم كنا سنكون في جمهورية الاستوائية الفيدرالية الديمقراطية وليس في جنوب السودان ، أي جنوب دولة أخرى؟ !!!

هل يستطيع هذا الجيل من السياسيين أن يصحح ويصحح أخطاء الحكم والمظالم التاريخية ضد وجود الإستوائية كدولة؟

أعتقد وأعتقد أن هذا الجيل يستطيع.

كان ينبغي أن يسمونا أنيانيا بدون معارضة ، بالاستوائيين وليس جنوب السودان ، التي تبنت سياسة الإدارة الاستعمارية البريطانية بضم الاستوائية لتصبح جزءًا من السودان الذي أرادوا الانفصال عنه.

كان من المفترض أن تكون الحرب والنضال السياسي واحدًا من حرب تحرير الاستوائية ، مما يعني الآن أن المقاطعات الثلاث معًا هي الاستوائية وجمهورية الاستوائية لتكون تدبيرًا صحيحًا سياسيًا. لن نتبنى هوية جنوب دولة أخرى اليوم.

المؤلف هو رئيس الحركة الديمقراطية الشعبية.

جوزيف منتويل: إختيار لم يصادف أهله و رهانٍ على خسارة شعب ..

كتب: إستيفن وليم

والي ولاية الوحدة د. جوزيف منتويل ويجانق (صورة أرشيفية)

والي ولاية الوحدة د. جوزيف منتويل ويجانق (صورة أرشيفية)

راي (سودانس بوست) – توطئة : يقول أرسطو : ” الراحة هي غاية العمل ” فكذلك يكون ” السلام هو الغاية من الحرب”.

لقد شهدت البلاد منذ الخامس عشر من ديسمبر ٢٠١٣ م حروباً طاحنة،  أكلت الأخضر واليابس ، راحت ضحيتها ألالاف من الضحايا ، من أبناء الوطن الواحد،  بسبب الحرب السلطوي الذي لا ناقة للشعب فيها ولا جمل ، بل بسبب التنافس والصراع على السلطة بين قيادات الحزب الحاكم (الحركة الشعبية لتحرير السودان ) ، الذين حصلوا على دولة بطبق من ذهب دون أن ينافسهم  فيها أحد ، بل اصبحوا الآمر والناهي في كل الأمور .

وكما يقال أن النار تأكل بعضها بعضاً عندما لا تجد ما تأكله؛ فكذلك الحركة الشعبية أكلت بعضها بعضاً ، عندما فقدت عدوها الوحيد وهو نظام الخرطوم . فيقول ألكسندر أرباتوف المستشار الدبلوماسي لميخائيل غورباتشوف ، للغرب ( الأمريكان و الأوربيين ) : ” سنقدم لكم أسوأ خدمة ، سنحرمكم من العدو ! ” ، هذه المقولة العميقة التي يجب الوقوف عندها لكل من يريد العيش في سلام دائم ، متمعناً ومتسائلاً في كيف يكون الحرمان من العدو خدمة سيئة ؟

من المعروف أن الإنسان له غرائز تنافسية تجعله في صراع دائم مع الأخرين بغية نيل الأفضلية في كل شيء ، سواء كان هذا الصراع على هيئة الفرد ضد الأفراد أو جماعة ضد الجماعات ، ففي السياسة الدولية جرى العُرف لدى الدول الكبرى على صناعة وإختلاق عدو لها خارجياً.

ذلك للحفاظ على وحدة شعوبها الداخلية خلف نظامهم السياسي ، فيمكن لهذا العدو أن يكون واقعياً أو وهمياً ، فإنعدامه يجعل الشعب أمام خيارين ، أما الصراع ضد بعضها كسيناريو محتمل الإخراج من النظام السياسي القائم وذلك للحيلولة دون الالتفات إلى مكامن التقصير من النظام السياسي الحاكم ، أو المواجهة المباشرة مع النظام في حال إحساس الشعب بتقصير ذلك النظام وعدم قيامها بالدور المنوط بها في تقديم ما يوجب تقديمه لخدمة الشعب والبلاد .

وكما قال أرسطو : أن السلام هو الغاية من الحرب ” ، فإننا يجب أن نفهم من هذا القول أن لا سلام بلا حرب ، كما لا يمكن تخيل وجود الخير دون الشر ، فالإنسان بطبيعته له جانب شرير وجانب خيري ، والحرب يقوم بتنمية الجانب الشرير في الإنسان ، بينما تقوم السلام ببناء جانب الخير فيه .

والحاكم الرشيد يملك إستراتيجية جيدة في حالتي الحرب والسلم ، فعندما ينهك الحرب كاهل الأطراف المتحاربة ، يكون الجميع في حالة البحث عن السلام ، السلام الذي يضمن البقاء . وإسترتيجية البقاء أصعب بكثير من الحروب كما أن بناء السلام والإستقرار الدائم أصعب وأكثر تعقيدًا من خوض الحروب من أجل البقاء.

المرحلة القادمة هي مرحلة الحروب السياسية أو ما يمكن أن نطلق عليه (الحرب على كسب المواطنين ) وهي تلك التي لا يستخدم فيها البنادق في خوض الحروب،  بل الحنكة السياسية، والمنتصر فيها من يستحوذ على تأييد الأغلبية الشعبية له . وهذه أصعب مراحل التنافس ، لأنه يقوم على الدور السياسي لكل مجموعة او شخصية سياسية ، وليس على تحريض المواطنين ضد بعضهم البعض .

وتستصحبنا هذه النقطة إلى موضوع مقالنا اليوم وهو تعيين الدكتور جوزيف منتويل حاكماً لولاية الوحدة،  وهو ما أراه أنا غير صادف ، وذلك للأسباب التالية  :

أولاً : إذا كان الرئيس سلفا كير يريد الفوز في الصراع السياسي القادم عليه ، يجب أن يحاول قدر المستطاع إصلاح ما دمره أعوانه أثناء النزاع على السلطة بين أعضاء الحزب الحاكم،  وذلك بإبعاد من هم غير جديرين بتوحيد الشعب خلف الحكومة.

ثانياً : الدكتور جوزيف منتويل عمل بكل ما لديه من قوة لتفريق شعب ولاية الوحدة أثناء فترة حرب ديسمبر المشؤوم،  بدلاً من العمل على كسبهم وإستقطابهم لدعم الشرعية ، بل فضل تحريض المجموعات ضد بعضها البعض لكي يبقى هو في السلطة .  ولكن لهذا البقاء ثمن على الحكومة المركزية التي فقدت الأغلبية الساحقة من شعب الولاية بسبب تصرفات الحاكم منتويل .

ثالثاً : الدكتور منتويل و أعوانه ، متهمون من قبل الكثيرين من ابناء الولاية بتحريض شعب الولاية لنهب ممتلكات الأخرين من (الماشية والأبقار) من أبناء الولاية وانتهاك حرماتهم، وحرق منازلهم ، بحجة أن هؤلاء يرفضون سلطته عليهم. وهذا ما دفع الكثيرين للثبات في مواقفهم المعادية للنظام ، كما أنه اشعل حرباً عشائرياً بين أبناء الولاية . وهذا من شأنه أن يكتب نهاية الوجود للنظام في هذه الولاية .

رابعاً : في كل الحكومات أثناء الحروبات الأهلية ، تكون لها دور حماية المواطنين وممتلكاتهم،  ولكن في عهد منتويل نشرت منظمات دولية معنية بقضايا حقوق الإنسان،  تقارير بحدوث جرائم اغتصاب  ونهب ممتلكات المواطنين بأمر من السلطات .

خامساً : حالة الفوضى التي خلفتها حكومة منتويل في الولاية لم تقف فقط على أبناء الولاية ضد بعضهم البعض ، بل وصل الحال إلى شن غارات على الولايات المجاورة بهدف نهب الممتلكات ، مما أسفر عن خلق عدم الإستقرار بين شعب الولاية والولايات الأخرى .

سادساً : المجتمع الرعوي ، معروف بطبيعته إنه يقدس ممتلكاته من الماشية والأبقار ، كما إنه يأبى ما يعرض بيته وحرمته للخطر ، فمن يريد القتال في مجتمعنا الرعوي يقاتل الرجال ولا يقتل الأطفال والعجزة ، كما لا يغتصب النساء . ومن فعل المحرمات تلك يصعب التصالح معه مدى الحياة ، ومنتويل واعوانه فعلوا ذلك وقتلوا الأطفال وحرقوا البيوت ونهبوا الممتلكات.

ولدى مجتمعنا قاعدة عُرفية سائدة أن من احتمى بالنساء أثناء القتال لا يُقتل ولا يأسر كأسير حرب،  بل يترك سالماً دون أن يتعرض له أحد بعد انتهاء القتال . تلك هي عادتنا.  حكومة منتويل كسرت تلك القاعدة ، فانتشرت على نطاق واسع تقارير عن  إغتصاب النساء و إختطاف الفتيات وتزويجهم قسرًا ، لمن لا يعرفون ، بدلاً من إبقاء النساء رمزًا للسلام كما هو الحال في عاداتنا، هذه التقارير دفعت الحكومة في جوبا الى تكوين لجنة للتحقيق في الامر ، ولكن أين وصل هذه اللجنة ؟

سابعاً: ينصح الفيلسوف ميكافيللي في (كتابه الأمير ) الأمير  بأن : ” لا يخشى عار المعايب التي يصعب عليه بدونها الإحتفاظ بالملك” ، ولكننا نقول يجب التخلص من العيوب التي يصعب الوصول من خلالها على رضى المحكومين، لأن ذلك أسمى غايات اللعبة السياسية، ومن ضمن تلك العيوب وجود منتويل الذي دمر علاقة الشعب بالحكومة في سدة حكم الولاية .

أخيرًا وليس أخرًا ، لإعادة المياه إلى مجاريها على الحكومة إعادة النظر في أمر تعيين جوزيف منتويل حاكماً للولاية،  كخطوة من اجل كسب النقاط في المرحلة القادمة،  فإذا كان جوزيف منتويل نافعاً وقت الخراب ، فهو لن ينفع وقت الإصلاح ، والمراهنة على بقاء منتويل مقابل خسارة تأييد الأغلبية الشعبية في الولاية إنتحار سياسي لن يغفره تاريخ التجربة السياسية للحزب الحاكم .

أللهم بلغت أللهم فأشهد.

قصيدة من ماناوا بيتر قاتكوث: “شكراً جزيلاً يا وطن”

وزير ري جنوب السودان ماناوا بيتر قاتكوث قوال (صورة أرشيفية)

وزير ري جنوب السودان ماناوا بيتر قاتكوث قوال (صورة أرشيفية)

قصيدة (سودانس بوست) – شكراً جزيلاً يا وطن..شكراً لأن الحرب طال وأتاح للمأجور أن يغتال حلماً في دمى.

شكراً لأنك حين كنت تمارس التمريض في جسدي المباح لم يسألوك .

بل لم يسألوا حتى عن الإسم الصحيح لجنسك المخلوط بين الزنج والعرب الرعاة.

بل أكتفوا بملامح الخط العريض على جبينك يا فتى.

شكراً لأنك قد فتحت الباب في وجه الغريب .

جاءوك من عصر سحيق.

فتمددت في الأرض أزمنة الخراب.

وتمزقت أوتار أبنية الحياة.

لكنني لم إنتحر ..بل قلت للطفل الصغير لا تندهش.

فالنيل جاسوسٌ من النوع الخطر.

والموت أحياناً يكون من الحذر .

شكراً لأن النور جاء مع الغريب ولم يلد إلا الفسوق من الفجور .

وأشاع في الناس الجهاد وزهق الروح بإسم الدين والبحر القديم .

هل هذه الأشياء يمكن أن تقود إلى السماء .؟

هل جاء ربك في ديار الناس ينتزع الصفاء.؟

شيءٌ خطر يا شيخنا أن تستبيح دماء كل الأبرياء ليسود في الأرض الرياء .

شكراً لأنك لم تكن يوماً تجيد بلادة الجبناء أو كنت توافق الجهلاء.

فيما ينظرون إليه من الغباء.

وبرغم تجادل الفقهاء حول محاسن الرجل الفقيد وكيف يمكن أن يعاد إلى الحياة.

الآن.. يمكنك الصلاة على الجنازة بعد أن شاع الخبر وتقبل الناس العزاء..؟

سأعود أعلن ثورتي وأدق أعناق التقوقع والتنصل عن حقوق الشعب في شرع النضال .

فالعار أن نبقى ولا نلد الشعور ونظل نحث أرصفة الشوارع أن تثور.

ثم نعود نهتف من جديد.

شكراً جزيلاً يا وطن .

حــياة السُــــــــــودانـييّن مُـهمة

كتب: واحة إبراهيم

متظاهرين سودانيين في الخرطوم (صورة أرشيفية)

متظاهرين سودانيين في الخرطوم (صورة أرشيفية)

راي (سودانس بوست) – أثناء ثورة ديسمبر، صدحت حناجر المتظاهرين والمتظاهرات على اتساع البلاد بهتاف “يا عنصري ومغرور، كل البلد دارفور” في محاولة لتحدي العنصرية التي استخدمها النظام السابق لتأجيج الصراعات وتفريق الوحدة الوطنية، الهتاف في حد نفسه أعتبر لاحقاً رمزاً لرفض العنصرية عامة.

لكن متى تتحول الرمزية إلى البنوية في فترة الإنتقال وما بعدها، ومتى تصبح “كل البلد دارفور” فعلا؟!

حياة السود مهمة..

في الخامس والعشرين من شهر مايو المنصرم، شعر شرطي أبيض بالولايات المتحدة بضرورة الجثو على رقبة جورج فلويد، مُدعّماً بكل إمتيازاته المجتمعية والمؤسسية التي لم تقم بإيقافه حين قرر أخذ حياته، ولم يسعفه وعيه لتخيل عواقب وخيمة لفعلته أو حتى أن يتعرض لمساءلة شكلية من قبل وحدته الصغيرة بشرطة ولاية مينوسوتا. لأنه ببساطة، لا توجد عواقب وخيمة.

خلّفت هذه الحادثة موجة غضب وتظاهرات عديدة ومستمرة ليومنا هذا من قبل مناصري حركة”حياة السود مهمة” وكل كارهي العنصرية بالولايات المتحدة.

لكن المدهش هو مظاهر المناصرة والتعاضد التي انطلقت في مدن كثيرة حول العالم مثل باريس، ولندن، ومدريد، وبرلين، وميلبورن، وأكرا، إلى جانب موجة تنديد شرسة على منصات التواصل الإجتماعي كذلك.

لكن حملات مناصرة حركة “حياة السود مهمة” قوبلت في كثير من الدول بإنتقادات مفحمة على هيئة ماذا عن العنصرية في بلادنا؟ وهو سؤال غير سهل الإجابة، خصوصاً من مجموعة المشاهير الذين يطمحون للظهور العالمي ومجموعة الناشطين والناشطات الذين يعدون أنفسهم “مواطنين عالميين”.

ومعلوم، المشاكل العالمية لا تستصحب معها المشاكل المحلية بل تجلس في عرشها العاجي الذي تنظفه وتلمعه هذه المجموعات.

وحياة السودانيين كذلك..

في الأول من يونيو السابق في الخرطوم، قامت سيدات من الاتحاد التعاوني النسوي متعدد الأغراض بعقد مؤتمر صحفي لتوضيح بعض النقاط على خلفية اجتماع مسبق بينهن وبين اللجنة العليا للطواريء، ممثلة في مجلس السيادة والوزارات المعنية.

خلص الإجتماع إلى توفير دعم معين للأسر الفقيرة بأحياء مختلفة بالخرطوم بعد أن يتم حصرها من قبل العاملات بالاتحاد، ثم تنصلت الجهات الحكومية المعنية من هذا الاتفاق حتى بعد أن تم حصر آلاف الأسر وتعرض عضوات الاتحاد للاتهامات والملاسنات من بعض الأسر المحصورة.

وهذا التنصل لم يكن فقط مع الاتحاد النسوي بل لاقت مجموعات قاعدية أخرى نفس التعامل، مثل لجان مقاومة أمبدة بأم درمان ومجموعة من اللجان بجنوب الخرطوم.

“ونؤكد أن مجلسكم السيادي هذا، ما هو إلا تتويج لثورتكم التي اتت لتحقيق شعارات المواطنة، والتعايش السلمي، والديموقراطية، والعدالة، والتنمية المتوازنة”ثم تواصل “ها أنا ذا، عائشة موسى السعيد، بت نصرة محمد إبراهيم، من كردفان، أقف لأمثل نساء بلادي قاطبة.

وأعمل جاهدة لأمثل هذه الأمة التي رفعت رؤوسنا عالية بين الأمم، بثورة عظيمة وملهمة. وأخيرا أقول،” كان حلمًا أن نرى البدء وميلاد الطقوس”، وقد صار بكم. ”

كانت هذه كلمات عائشة موسى يوم تنصيبها كعضوة بمجلس السيادة كأعلى سلطة تنفيذية وتشريفية بالبلاد. يوم قررت تمثيلها لجميع النساء السودانيات ويوم بدأت بإيلاء اهتمام عالٍ وعلني بالكثير من القضايا التي تخص النساء، إحداها البدء بإطلاق سراح المساجين بسجن الهدى بأم درمان عقب إعلان الطوارئ الصحية بالبلاد، بما فيهم مغتصبي الأطفال، ونسيان الثلاثمائة إمرأة بدار التائبات.

وآخرها انكار دعوتها للسيدة عوضية كوكو للإجتماع في مكتبها وتصويرها كشخص أتت طالبة للمساعدة، ومنعها من تناول إسمها أو المجلس السيادي ككل في الإعلام حسبما صرحت بعض الصحف مدعية لعدم شرعية منصبها، رغم أن كوكو لديها ما يثبت عدم حل الإتحاد واستمرارها كرئيسة له.

العدالة..

بعد استمرار التظاهرات لأكثر من سبعة أشهر، تمكن الشعب السوداني من الوصول لحلول وسطى لمرحلة الإنتقال والشراكة مع الجانب العسكري للعبور بالبلاد لبر الأمان والممارسة الديموقراطية الحرة. ظنت مجموعة كبيرة من الشعب أن الإنتقال أمر لحظي أو ربما ينتهي بإنتهاء الثلاث سنين، وأن قيم ودواعي الثورة قد تم تحقيقها من (حرية، وسلام، وعدالة). لكن دعوني أحدثكم قليلا عن القيمة الثالثة.

إحدى ركائز مفهوم العدالة في الدولة هي قدرتها على صياغة وتحقيق عدالة إجتماعية حقيقية تقوم على توزيع متساو للفرص والموارد والإحتياجات الأساسية لكل مواطن، دون التحايل والاحتماء بمفاهيم تحجم من هذه الأهداف أو الإنحياز لمجموعة من المواطنين دون أخرى لأسباب متفرقة.

والسودان كدولة إفريقية معتادة كسبت استقلالها فيخمسينيات القرن العشرين، لم تنجو من لعنة عدم العدالة الإجتماعية. وجد سكانها أن عليهم أن يتعايشوا باستقلالية لكن تحت قيود معينة فرضها المستعمر الإنجليزي ومن سبقه، كحدود الدولة، أزمات الهوية، الأديان، بل وحتى اللغات، وممارسات مهينة للإنسان مثل تجارة الرق، وغيرها من العوامل التي رتبت الهرم الإجتماعي والحضري للمواطنين السودانيين ترتيباً دقيقاً ومُحكماً.

ثم وقعنا في فخ النخب المتتابعة بنفس الأخطاء وكأنما شخص يدوس على زر إعادة بدء الللعبة كل عدة أعوام فيعيد التاريخ نفسه بكل كبرياء وتخبط.

فلويد كان أخاًوأبا محباً، وصديقاً وديعاَ للجميع، لكنه أسود، وكلفه هذا حياته. مثلما يكلف امتلاك بعض الصفات أو الإنتماءات حياة شريحة ضخمة من الشعب السوداني، أو فقط استمرار وجودهم في أسفل الهرم، ثم يقضون معظم أو كل حياتهم يحاولون صنع حياة كريمة.

عاملات القطاع غير الرسمي غير المرئيات من بائعات المشروبات والأطعمة وعاملات المصانع والمنازل وبائعات الخمور -لو ما فيها إساءة- اللاتي تحدث عنهم الإتحاد في بيانه لسن وليدات الصدفة.

هن نساء في المعظم ينحدرن من مجموعات إثنية معينة عانت ما عانت من تهميش وتضييق وفقر وجهل وصراعات منذ الإستقلال وإلى يومنا هذا. أتين إلى المدن نازحات من حروب وظروف اقتصادية صعبة، بعد أن فقدن أزواجهن أو فقط تخلّوا عنهن وعن مسؤولياتهم الأسرية وبالتالي أصبح حمل الأسرة يقع على أكتافهن وحدهن.

وانضمت إليهن مجموعات لاحقة من اللاجئات والمهاجرات من دول الجوار، لتعانين من نفس التمييز وربما أكثر.

هل اهتم حراس النسوية وحقوق الإنسان بضرورة الضغط على السلطات لتنفيذ الوعود المقصودة؟ قلة قليلة، لكن بالطبع الأكثر كانوا يحاولون تبرير ما صدر من عضوة المجلس السيادي أو تأكيد الخبر حتى لا يدخلوا في دوامة بكائية بسبب سقوط رمز ثوري جديد، أو ربما لأن العقلية الطبقية المشتركة تستغرب نفسها حين ترى نتائجها مستهجنة ومنتقدة. لكن النساء الجائعات وأسرهن لسن على نفس القدر من الأهمية.

الفقر كقصيدة رومانسية..

تغنى الشعراء وأهل الفن لهذه المجموعات من السيدات ومجّدهن الساسة والنشطاء، تحديداً بائعات المشروباتأو كما يسمين بالعامية (ستات الشاي)، ونراهن في أركان قصية بمهرجانات الشركات الغذائية وسطوحات المراكز الثقافية الأجنبية والمحلية في الليالي الاحتفالية، يصنعن المشروبات بابتساماتهن والزلابيا بضميرهن الحي.

لكن مثلا، في العام 2018 تم منع ستات الشاي من العمل بشارع النيل الخرطوم على امتداده ولعدة أشهر، ومرة أخرى، لم يصنع الخبر أي ضجة ملاحظة في منصات التواصل الإجتماعي ولا في صفحات الصحف اليومية، لا من النشطاء السياسيين والإجتماعيين ولا من المجموعات الحقوقية، لماذا؟ لأنهن ستات شاي، يصلحن للرمسنة والمزايدات الإجتماعية والتأطير الجنسي.

لكنهن لسن بموضوع جيد في وسط مجموعة النشطاء أبناء الطبقة الوسطى والأحياء الراقية بالعاصمة، مواطنات مستوى ثانٍ، فقيرات يصرفن على محليات الولايات أثناء محاولاتهن لتربية أبنائهن وإكمال تعليمهم ليتحصلوا على مستقبل أفضل، أو كما يأملن.

هل الحكومة الإنتقالية، طبقية؟!

الحكومة الإنقالية بالسودان الآن يشغلها مجموعة الساسة والأكاديميين والمهنيين والنشطاء الذين شغلوا مؤسسات المجتمع المدني والعمل العام على طول العقود السابقة، وليس صعباً على الجميع استنباط أوجه الشبه بين الحكومة الجديدة والسابقة لأنه -مفاجأة- الشعب السوداني ليس منفصل من بعضه، والحاضنة المجتمعية العامةللقيم هي نفسها بغض النظر عن الخلفيات السياسية والفكرية.

وممارسات النظام السابق كان يمكن أن تمارسها أي مجموعة تتحصل على نفس القوة والموارد ومقدار جيد من الذكاء والعملية. لكن دعونا سريعاًنمر على بعض الأمثلة.

في نوفمبر من العام السابق، قامت مجموعة من طلاب جامعة زالنجي بالاعتصام لعدة أشهرأمام مباني وزارة التعليم العالي مطالبين بمقابلة وزيرة التعليم العالي والرد على مطالبهم المرفوعة منذ النظام السابق.

ماذا كانت تعليقات السلطات والنشطاء؟ “مجموعات خفية تقوم بتمويل الاعتصام! هؤلاء ليسوا طلاب حقيقيين يتركون مقاعد الدراسة للاحتجاج بالخرطوم!!”وطبعاً،”هنالك من يحاول إزعاج الحكومة الجديدة!” و”هذه خلايا عبد الواحد بالعاصمة تحاول أن تفشل الحكومة الإنتقالية!!”مع استغراب أن تقوم مجموعة طلاب كهذه بالإعتصام لأشهر وكأنها ليست وسيلة احتجاج مشروعة للكل، بل تمت محاولة فض الإعتصام بالقوة عدة مرات من قبل الشرطة على مرأى ومسمع من الجميع دون استهجان أو تنديد.

ولم يرد الخبر سوى على بعض المنصات الإعلامية المهتمة بمواضيع غرب السودان، وعلى صفحات مجموعة بسيطة من النشطاء.

في منتصف أبريل السابق، قامت وزارة التجارة والصناعة بتدشين برنامج سلعتي للمواد الغذائية الذي يهدف في مضمونه لمساعدة المواطنين للتحصل على مجموع 11 سلعة أساسية عبر مراكز البيع المخفض لطيلة الفترة الإنتقالية.

وحمداً لله، البرنامج يستهدف جميع ولايات السودان وليست الخرطوم فقط. لكن كيف يتم الاشتراك في هذا البرنامج؟ عن طريق بطاقات الرقم الوطني.

نسيت الحكومة الإنتقالية في لفتة بارعة أنه ليس جميع المواطنين بالسودان لديهم أرقام وطنية وأن كل فكرة التسجيل المدني كانت إحدى وسائل النظام السابق لتقنين العنصرية واستبعاد مجموعات بعينها من حقوقها المدنية، كما فقد الكثير من السودانيين حق التسجيل المدني بسبب وجودهم في مناطق حروب لسنوات عديدة ومستمرة.

ولم يتم تبديل طريقة الإشتراك في البرنامج ولا إيجاد حلول بديلة لمن لا يحملون أرقاماً وطنية أو أي أوراق ثبوتية إلى يومنا هذا.

انتقال أوراق ووثائق..

يضحك النشطاء على المجموعات البيضاء المتطرفة التي طالبت برجوع الحياة إلى طبيعتها في أمريكا لكي يذهبوا إلى صوالين الحلاقة ويفتحوا الأسواق.

أليست هذه نفس مجموعات الطبقة الوسطى والعليا السودانية التي ترى الحجر العام وسيلة تحكم سياسية وضرورة فكه للعودة إلى أعمالهم ونزه نهاية الأسبوع في المطاعم والنوادي وشارع النيل؟ لا يهم كم مهنة بالقطاع غير الرسمي قد تعطلت أو كم شخص فقد وظيفته بسبب الكورونا؟

لا يهم عاملات المنازل اللاتي تم طردهن دون دفع أجورهن ولا يهم كم المستشفيات العامة التي أغلقت أبوابها في وجه المرضى من ذوي الدخول المحدودة والذين لا يستطيعون دفع رسوم المستشفيات الخاصة.

كما لا يهم إن كانت القوات تتعامل بعنف مع المجموعات التي تكسر أوامر حظر التجوال لكسب بعض الرزق. ولا يهم تنصل الحكومة من وعودها التي في حقيقة الأمر اقتصرت على ولاية الخرطوم. وكأن بقية ولايات السودان ليس بها فقراء.

الانتقال المقصود في الأوراق والوثائق ومنصات المثقفين ليس فقط انتقال سياسي، بل تأسيس للانتقال لدولة ديموقراطية ومستقلة ذات تأسيس حقيقي وتطبيق عملي لقيم المواطنة، وسلام محقق ومحفوظ يعمل عليه الجميع بحس وطني صادق لا يقتصر على الاتفاقيات الموقعة.

دولة حريات وحقوق غير مُدَّعَية، تنظر لقيمة إنسان الأطراف والولايات كقيمة إنسان الوسط ومواطني الطبقة الوسطى.

إلى من؟

إلى فلويد: أرقد بسلام.

إلى مصوري فيديو قتل فلويد: شكراً!

إلى النشطاء والناشطات: جورج فوليد موجود بكل ولايات السودان. ومناصرة قضايا السود بأمريكا مهمة، لأن الحقوق لا تُجزأ وقيم الإنسانية المزعومة عابرة للقارات، هذه جيد، لكن الإنفصال من الواقع لن يظهرنا بشكل رائع ولن يختصر علينا الطريق محلياً ولن يفيد مواطني هذه الدولة في شيء.

مشاكلنا عميقة وتحتاج قوة حقيقية لنقاشها ومواجهتها ومحاولة تفتيتها. خطاب التيار النضالي إن لم يستصحب مشاكل جميع المجموعات السكانية ويمثّلهم، لا يعول عليه! وهذا يعني عدم الإعتذار والتبرير لممارسي العنصرية والطبقية ومصدري خطاب الكراهية في الدوائر العامة والخاصة، ومساءلة أنفسنا والمجتمع ومؤسسات الدولة، المؤسسات أولاً وأخيراً.

إلى الحكومة الإنتقالية: يبدو أن كلمة كوز بدأت تخرج من سياقها التاريخي لتشمل أي شخص يمارس ممارسات اشتهر بها كيزان النظام السابق. من بينها وأهمها الظلم. والظلم ظلمات!

إلى المهمشين والفقراء والذين يعانون اليوم وغدا وفي كل يوم: حياتكم مهمة، حتى وإن لم ترد مشاكلكم في الوسائل الإعلامية ويشاهدها العالم كله، وسينتهي كل شي، يوماً ما.


مقالات الرأي التي تُنشر عبر موقع سودانس بوست تعبر عن آراء كُتابها وصحة أي ادعاءات هي مسؤولية الكاتب/ة، وليست سودانس بوست. إذا كنت تريد نشر مقالتك على موقعنا، فاتصل بنا هنا.

هل نحن ديمقراطيون

كتب :محمد عتيق

رئيس المجلس السيادي السوداني الجنرال عبد الفتاح البرهان بعد توقيع اتفاق مع جماعات المعارضة في الخرطوم عام 2019 (صورة أرشيفية)

رئيس المجلس السيادي السوداني الجنرال عبد الفتاح البرهان بعد توقيع اتفاق مع جماعات المعارضة في الخرطوم عام 2019 (صورة أرشيفية)

راي (سودانس بوست) – حركات التغيير الكبرى تتكون من فصول عديدة تستمد عناوينها من واقع المجتمع المعين ، عليها إجتيازها فصلاً فصلاً إلى أن تكتمل فتكتمل صفة الثورة إسماً لذلك التغيير ، والاكتمال هنا يعني الاستواء الذي يجعل لها القدرة على التعامل مع مستجدات القضايا والأحداث بتجاوب مبدع ..

الهدف النهائي من الثورة – وكل أوجه الصراع المرافقة لها في بلادنا – هو إقامة نظام ديمقراطي مستدام تزدهر تحت ظلاله تنمية شاملة وتترسخ قيم الحرية والعدالة والمساواة بين الناس بمعيار المواطنة فقط ، المعيار المتجاوز للعرق والدين ، للقبيلة والجهة ، وينتشر التعليم ويزدهر كماً ونوعاً فينشأ به إنسان جديد يصبح الأساس الأهم في عملية التنمية الجارية في البلاد بكل أنواعها وهدفها الأول ..

في اكتوبر ١٩٦٤ ثار شعب السودان ضد الحكم العسكري الأول بقيادة الجنرال ابراهيم عبود (١٩٥٨-١٩٦٤) .. كانت البلاد حديثة عهد بالاستقلال ، كان الانضباط الذي زرعه المستعر لا زال سارياً في أجهزة الخدمة المدنية والعسكرية :

القوى الشرطية والأمنية (من وزارة الداخلية) التي كانت مكلفة بتفريق المظاهرات الشعبية انصاعت للهيئة القضائية عندما خضع قائدها لأوامر قاضي المحكمة العليا بالانصراف وعدم مواجهة الشعب ..

– الضباط الشباب في القوات المسلحة قادوا حركة ضغط على الفريق إبراهيم عبود (رئيس الدولة) أن يستقيل ، لتتقدم “جبهة الهيئات”(تحالف قوى المعارضة الحزبية والنقابية) وتشكل حكومة مدنية تخضع لها كافة مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية ، وعادت القوات المسلحة والنظامية الأخرى الى ثكناتها وإلى مهامها الدستورية الطبيعية ..

كل شيءٍ كان مثالياً ، ومع ذلك ستبقى التسمية (ثورة أكتوبر) تسميةً مجازيةً لأن الأحداث توقفت هنا ، وبعد قليل خضعت الدولة للقوى التقليدية ، الطائفية وغير الطائفية ، التي تسود في المجتمع وتحكمه ، لتقود ديمقراطية شكلية كل همومها فيها مقاعد الحكم ، تتداولها بالتحالفات والائتلافات المؤقتة وبالحيل والمناورات ، منصرفةً تماماً عن أوجاع المجتمع وهمومه وعن أنين الجنوب وكافة الأقاليم ، تعبيراً صارخاً عن عدم ديمقراطية المجتمع ، عدم ديمقراطيتنا ، وأصبح الطريق سالكاً أمام النشاط والاستقطاب الحزبي (السياسي العقائدي) في صفوف القوات المسلحة والنظامية الأخرى ، وكانت الانقلابات العسكرية سمة و(موضة) العالم الثالث آنذاك..

في مارس/أبريل ١٩٨٥ ثار الشارع السوداني ضد حكم الجنرال جعفر نميري (مايو ١٩٦٩/أبريل ١٩٨٥) في انفجار واسع ، توقاً للحريات وللحكم المدني .. كانت مصاعب التغيير قد إزدادت بدخول القوات المسلحة في الحياة السياسية بولاءات مختلفة باختلاف انتماءات أفرادها للقوى السياسية (العقائدية غالباً) ..فعندما ارتفعت درجات الغليان الشعبى ولاح النصر تدخلت القوات المسلحة ؛ تنظيم تقدمي ديمقراطي داخل الجيش (قيادته نفس قيادة حركة الخلاص الوطني في ابريل/رمضان ١٩٩٠) ، قاد هذا التنظيم حركة ضاغطة على القيادة العامة أن تخلع ولاءها عن نظام نميري وتنحاز للشعب ، ووصل الضغط حد التهديد بالانقلاب عليها وعلى النظام .. وصدف أن القائد العام كان شخصاً بسيطاً ينتمي – هو وبعض أعضاء هيئة القيادة – لتنظيم الاخوان المسلمين (الجبهة الاسلامية القومية) لاحقاً ..

ودونما تفصيل لتطور أحداث الانتفاضة المعروفة في مارس/ابريل ١٩٨٥ ، أشير إلى أن بدعتين جديدتين تسللتا إلى قاموس التغيير السياسي ، تتحكمان في مساره حتى يومنا هذا :
•• السيادة لمجلس عسكري انتقالي ، وأن يكون وزير الدفاع من القوات المسلحة ، ووزير الداخلية من قوات الشرطة ..

  • • ترتفع الأصوات المطالبة بحكومة كفاءات مستقلة (الاحزاب يبدو عليها الزهد) ، وعند التنفيذ تصبح مجالاً للمحاصصات والاختطاف !! ..

يكفي التحول (الديمقراطي) في ابريل ١٩٨٥ محدوديةً وانكفاءاً أنه كان التربة التي بذر فيها الاسلامويون بذور انقلابهم في ٣٠ يونيو ١٩٨٩ واختطفوا به الوطن ثلاثين عاماً ، أمطروه خلالها ألغامًا و “خوازيق” ..

الجديد في ديسمبر ٢٠١٨ أن عماد الحركة الثائرة في الغالب هو الشباب ، جيل “الانقاذ” ميلاداً وتعليماً ونشأةً ، مما جعلها حركةً تتسم بالجذرية ، وبالبراءة من أخطاء التجارب السابقة .. ولكنها – أي الحركة الثائرة – ارتبطت في إدارة حشدها وتنظيم تظاهراتها بتجمع المهنيين السودانيين وبالتالي بالأحزاب السياسية ، بخبراتها وتراكم نضالاتها ضد “الانقاذ” منذ ٣٠ يونيو ١٩٨٩.. غير أن تطور الأحداث وتوازنات القوى استدعت (عقبات) التجارب السابقة بصيغ أكثر تعقيدا ، ومن جانب آخر ، استصحبت (عقبات) إضافية جديدة :

قيادة القوات المسلحة والنظامية ، اللجنة الأمنية للنظام الساقط ، ومعها قوات الدعم السريع “الجنجويد” ، تتمدد على المشهد ، منها من هو متورط في مقتلة أهالي دارفور ، ومن هو متورط في مجزرة فض الاعتصام (يونيو/رمضان ٢٠١٩) ، ومختلف الجرائم ، ومنها من هو مرتبط عقائدياً بتنظيم الاسلامويين .. كل ذلك يعني أن تستمر في التغول على المشهد بالضد من الوثيقة الدستورية إذ هي تشعر أن صمام أمانها الوحيد من المحاسبة والمحاكمات هو البقاء في السلطة متشبثةً مستميتة ..

الاحزاب السياسية المهيمنة على المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير ، رافعةً شعار الإصلاح والتغيير تمويهاً ، تنصرف عن واجباتها الأساسية ، مستغرقةً في صراعاتها الذاتية على مواقع النفوذ والظهور والنجومية ، انتقلت أخيراً إلى تجمع المهنيين ساحةً مكشوفةً للتنافس والمكايدة ، وهذه قصة أخرى/غصة في الحلوق :

– يمضي عليها وعلى “الثورة” وقت ثمين ، تتمدد خلاله نفوذ المكون العسكري وأذرع النظام الساقط ، وينفد فيه صبر الشارع وشباب الثورة.

– ولكنها “ثورة” جذرية تمضي لاستكمال نفسها ؛ قرار الجيل الجديد الذي لا عودة عنه ، فهل يطول الانتظار ، انتظار الشباب وأرواح الشهاء الظامئة ؟

وهل سيطول علينا الوقت ونحن في لا ديمقراطيتنا (فرحون) ؟


مقالات الرأي التي تُنشر عبر موقع سودانس بوست تعبر عن آراء كُتابها وصحة أي ادعاءات هي مسؤولية الكاتب/ة، وليست سودانس بوست. إذا كنت تريد نشر مقالتك على موقعنا، فاتصل بنا هنا.

طموح غير مشروع

كتب: أحمد يوسف التاي

أحمد يوسف التاي (صورة للكاتب)

أحمد يوسف التاي (صورة للكاتب)

رأي (13 يونيو 2020 ) — قبل أيام اطّلَعتُ على مقال صحافي كتبه المستشار الإعلامي للفريق البرهان، العميد الطاهر أبو هاجة نُشر بصحيفة القوات المسلحة وتناقلته بعض المواقع، أشار فيه إلى:( أن الفريق أول البرهان ذاهد في السلطة، وليس له رغبة في الاستمرار).. انتهـى…
ربما أي محلل سياسي قرأ هذه الرسالة التي جاءت بدون مناسبة وفي توقيت حساس من زوايا مختلفة وخرج بتفسير مختلف، كل حسب المعطيات والخلفية التي استدعاها لحظة قراءة المقال…
لحظتها ازدادت قناعتي أن الفريق البرهان لم يعد يستطيع كبح جماح طموحه السلطوي وتطلعه الى الاستمرار في السلطة، خاصة في ظل كتابات صحافيي المؤتمر الوطني والمدونين الآخرين من شاكلتهم من الذين مافتئوا يحرضون الجيش على استلام السلطة، حيث يصورون له أن رئيس الوزراء حمدوك قد فشل تماماً وأن الشعب ماعاد يطيق الغلاء وارتفاع الأسعار والضائقة المعيشية، وفي واقع الأمر أنهم (جميعا) مَنْ يضعون العراقيل امام حمدوك لإثارة الشارع ضد حكومته ، ليصبح استلام السلطة بواسطة الجيش أمر واقع ومُبَرّر…
والحقيقة التي لا جدال حولها أن قادة الجيش في كل دول العالم الثالث لديهم طموح متصاعد في الحكم والسلطة بحكم الفراغ الامني وعدم الاستقرار السياسي، مثلما للمدنيين تماماً، لكن يبقى السؤال من هو صاحب الطموح المشروع، ومن هو صاحب الطموح غير المشروع…؟؟.. والجنرال الذي يتطلع الى السلطة لن يستعصى عليه ارتداء عباءة السياسي المحترف
«2»
(لسنا طلاب سلطة)، هذه العبارة هي أول مايتعلمه السياسي، وقديماً قيل أن السياسي إذا قال (لا) إنما يقصد نعم، وإذا قال نعم فهو يقصد (لا)، أما إذا قال (ربما) فالأمر هنا يختلف فهو لايريد (لا) ولايريد (نعم) ، وهنا يتلبد المشهد بالغيوم ويكثر الضباب، ويكتنف الغموض كل شيء…
«3»
خذ مثلا الشعار السياسي لحزب الجبهة الاسلامية بزعامة الترابي بعد إستيلائه على السلطة في 30 يونيو 89 فقد رفع شعار:(لا لدنيا قد عملنا، نحن للدين فداء)، وكذلك شعار :(هي لله، لا للسلطة ولا للجاه)، ولكنهم بالمقابل عملوا العكس تماماً..
فأغلب السياسيين مثل النساء “يتمنّعن وهنا الراغبات”، المرأة يمكن أن تحب زوجها لدرجة الوَلَهْ والجنون، لكنها أحياناً تخفي هذا الشعور عند منعرج صغير من منعرجات الحياة، وتتظاهر برغبة ملحة وجادة في الطلاق، وما أن يتم تسريحها تنفجر بالبكاء لتتكشف الرغبة الحقيقية وسلطان الحب الاقوى، مثل السياسي الذي يصر على الاستقالة لحظة غضب، فيندم بعدها ندامة (الكُسعي) عندما طلَّق (نَوَار)..
فأي سياسي يمتلك طموح جامح في السلطة والحكم، ولكنه يخفي هذا الطموح خلف عبارة(لسنا طلاب سلطة)، وكذلك عبارة (نحنُ ذاهدون في الكرسي والسلطة)، ومثل ذلك التلويح بالإستقالة.
هذا الجموح نحو السلطة والحكم ، لم يكن سجيّة خاصة بالمدنيين، فالعسكر وقادة الجيش في دول العالم الثالث يكبر لديهم هذا الطموح بشكل كبير، والأمثلة على ذلك كثيرة حتى أن الفريق سوار الدهب عندما سلّم السلطة لحكومة الصادق المهدي المنتخبة في العام 86 كان الأمر أشبه بالمفارقة النادرة الحدوث..
«4»
لكن إذا قلنا أن الطموح والتطلع للحكم هو حق مشروع للمدنيين، فهل هذا الحق مشروع ايضاً للعسكر؟..
من حق المدنيين أن يحلموا بمقاعد الحكم والسلطة لكن يصبح المحك هو سلامة الوسيلة التي يصلون بها للكرسي، وكذلك مسألة إخفاء الطموح الى الرئاسة خلف عبارات كذوبة من شاكلة(لسنا طلاب سلطة)، و(لا لدنيا قد عملنا) ، وهنا يتحول هذا الاخفاء إلى اسلوب مخادع وأول كذبة على الشعوب وهو أمر يرونه عادياً وبسيطاً وهو عند الله والناس لَجدُّ عظيم..
أما العسكر فليس من حقهم التطلُّع الى كراسي الحكم، فهم لم يُعدُّوا لهذه المهمة، ولم يُخلقوا لهذا الواجب، بل أن مهمتهم الدستورية القانونية الأساسية هي حماية الحدود والمحافظة على أمن البلاد، فأي تطلُّع إلى الحكم والسياسة يظل هو طموح غير مشروع وغير مرحب به وغير مرغوب فيه، ويظل هو طموح شخصي وتجاوز للدستور والقوانين..
«5»
وتأسيساً على كل ماسبق أقول للذين يحرضون العسكر لاستلام السلطة تحت أي مبرر ، إنكم تقولون منكراً من القول وزوراً، فالحكومة المدنية بقيادة حمدوك مهما تنكبت الطريق ومهما تعثرت ومهما كثُرت المطبات أمامها فلن نرضى لها بديلاً من العسكر لسبب بسيط جداً لأن هذه ليست مهمتهم ولم يُهيَّأوا لهذا الدور ولم يتم اعدادهم للحكم، فليس هذا تقليلاً من شأنهم أوحطاً من أقدارهم الرفيعة، فالأمر عندي تماماً مثلما أننا لن نرضى بأن تُوكل أية مهمة أمنية أو عسكرية للمدنيين لأنهم لم يتم إعدادهم لهذه المهمة ولم يهيَّأوا لها، لذلك أرى أن المخرج من كل المطبات والمزالق هو توحد القوى المدنية والشارع كله خلف حكومة حمدوك ودعمها بقوة مع استمرار النقد البناء والتوجيه ومعالجة أخطاء الممارسة، وأي محاولة أخرى فهي الطريق إلى جهنم، وليعذرني القراء الكرام في هذا التشبيه الذي اُضطّررتُ اليه…اللهم هذا قسمي فيما أملك..
ضع نفسك دائما في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق انه يراك في كل حين.


مقالات الرأي التي تُنشر عبر موقع سودانس بوست تعبر عن آراء كُتابها وصحة أي ادعاءات هي مسؤولية الكاتب/ة، وليست سودانس بوست

وهل يحتاج ملف “أبيي” الى”دينق ألور” ؟

كتب: مثيانق شريلو

دينق ألور(صورة ارشيفية)

دينق ألور(صورة ارشيفية)

راي (سودانس بوست) – مرة اخرى يقوم رئيس الجمهورية سلفاكير ميارديت ، بإعادة ادارة ملف أبيي  الى السيد دينق ألور كوال ، العائد مرة اخرى الى احضان الحركة الشعبية بعد سنوات عديدة عقب المفاصلة المؤلمة التي تعرضت لها الحركة عقب احداث ديسمبر 2015م ، والتي اعقبتها مشاكسة سياسية طويلة افضت الى ان تعيش الحكومة عزلة دبلوماسية مؤلمة مع الخارج بسبب التحركات الخارجية التي قادتها مجموعة المعتقلين السياسين السابقين ” راجع تصريحات مسؤولي الحكومة ” ، والتي يقف فيها دينق ألور في مقدمة صفوفها مفاوضاً مرة وممثلاً لها في عدة لقاءات داخل الاقليم وخارجها ، تلك العزلة دفعت رئيس الجمهورية الى القول في احدي خطبه العامة ، بان ما قامت بها المجموعة في حق البلاد ، لم يقم بها زعيم المعارضة المسلحة دكتور ريك مشار الذي قاد صداماً مسلحاً في البلاد ومع ذلك فان ما قام لا يساوي ما قامت بها المجموعة من ” اضرار عديدة على تحركات ومواقف الحكومة امام الخارج ” بحسب ما ادلى به فخامة الرئيس .

*ومع ذلك يعيد رئيس الجمهورية هذا الملف الحساس الى السيد دينق ألور ، الذي ظل هذا الملف مرتبطاً به طوال سنوات شهر العسل القديم والذي كان فيه متقدماً الصفوف ، مفاوضاً وممثلاً لرئيس الجمهورية في العديد من المحافل الاقليمية والدولية ومساهماً بفعالية في تقوية الاواصر الدبلوماسية بين النظام الذي كان فيه احد صقوره البارزين ، مع تلك الدول التي اصبحت الان تتخذ مواقف سلبية ضد نفس النظام الذي يعود اليه ألور هذه المرة عبر بوابة ملف أبيي ، والذي يعني من زاوية اخرى ان الرجل اقترب كثيراً من بوابة الصفوف الامامية لقادة النظام في شكله الجديد ، ولن يكون ألور وحده من سيعتلي الصفوف فبعض من قادة مجموعته التي توزعت وتشتت ، تقترب بشدة من بوابة القصر الرئاسي كل وفق مهاراته من اجل الالتفاف حول ” الرئيس ” فقط وليس غيره .

*لم تكن عودة ألور عبر بوابة ملف أبيي صدفة ، وانما كانت عبر حوارات طويلة امتدت لاشهر قادها شخصيات متعددة من مناطق جغرافية بعيدة عن منطقة أبيي ، بعض من قادوا هذه الحوارات كانوا رفاقاً في سنوات التحرير والبعض الآخر من الوافدين الجدد للحركة او للنظام بشكله الحالي ، وهي حوارات تبحث عن تيارات جديدة تنظر بجدية الى تشكيل واقع اخر من التحالف السياسي الجديد الذي يسعى نحو تحقيق هدف مهم وهو ” احتضان الرئيس “.

*ومع اعادة ملف ” أبيي ” الى السيد دينق ألور كوال ، يجب ان نسجل تأكيداً واحداً ، بعيداً عن كل هذه المعطيات ومنعزلاً عن التداعيات السياسية المحتملة ، وهو تأكيد يسعى للقول بان هذا الملف لا يحتاج الى ” دينق ألور كوال ” ، وانما يحتاج الى شخصية أخرى من الحركة التي نالت تفويضاً شعبياً من مواطني أبيي قبل سنوات طويلة ولم يشترطوا ان يكون الممسك على هذا الملف من احدى عشائر دينكا نقوك  ، وهذا الملف الذي شهد تقدماً كبيراً في غياب دينق ألور يحتاج الى مواطن آخر من احدى ولايات البلاد ، ويشترط ان لا يكون من منطقة ” أبيي ” ، مثلما يترأس لجنة الحدود الحكومية شخص ينتمي الى ولاية ليست حدودية مع اي دولة مجاورة.

الأستاذ مثيانق شريلو، هو رئيس تحرير صحيفة الموقف الناطقة بالعربية في جنوب السودان.


 مقالات الرأي التي تُنشر عبر موقع سودانس بوست تعبر عن آراء كُتابها وصحة أي ادعاءات هي مسؤولية الكاتب/ة، وليست سودانس بوست. إذا كنت تريد نشر مقالتك على موقعنا، فاتصل بنا هنا.